blog
بائعُ الساعات

بائعُ الساعات

2025-08-03
0
3
0
avatar

حُرِّرت من قبل

إبراهيم المنسي – مملكة البحرين




كان هناك دكّانٌ صغير، عالقٌ في زقاقٍ لم يمرّ به الزمن
لا لافتة له ، ولا إعلان
فقط بابٌ خشبيٌّ متآكل، ونافذةٌ تحرسها ساعة حائطية لا تشير إلى الوقت ،
بل إلى الذاكرة

كان الرجل الشيخ ، صاحب الدكان ، يُقال إنه لا يبيع الساعات ،
بل يبيع الوقت نفسه
وأنا ، في لحظة من التعب ، قررت أن أصدّق

دخلتُ ذات ظهيرةٍ باهتة ،
وجدته جالسًا خلف طاولة مليئة بالساعات المعطّلة ،
يدقُّ بمطرقةٍ صغيرة على عقارب مكسورة،
ويصلح أنفاس الزمن المهشّمة .

قلتُ له، وأنا أقترب بتردّد:
"هل تبيع ساعةً تعيدني إلى لحظةٍ واحدة ؟
لحظةٍ فقط … حيث كان قلبي خفيفًا ، وكانت أمي تضحك "
ابتسم الشيخ ولم ينظر إليّ ،
بل واصل عمله وقال بهدوء:
"العودة لا تُباع يا ولدي ، بل تُمنح في الحلم ،
وأحيانًا … تُستردّ حين تكتب عنها."

لم أفهمه ، لكنني جلست 

كان كل شيء في المكان ينطق بالحياة المفقودة :
ساعة بها ظلّ ضحكة ،
وأخرى توقّفت عند وداع ،
وساعةٌ يدور عقربها بلا توقّف، كأنها قلب عاشق لم يُفهم 

كنت أعود إليه كل أسبوع ،
لا لأشتري ، بل لأصمت بجواره 
هو يُصلح الوقت، وأنا أصلح نفسي 
كان يقول :
"لا أحد يفهم الزمن … لكننا جميعًا نُجرح منه."

وفي يومٍ ماطر ،
وجدت الدكان مغلقًا ،
وعلى الباب ورقة مكتوبة بخطّه المرتجف :

"لقد انتهى وقتي … لكن إن احتجتني ، ابحث عن نفسك أولًا ،
فإن وجدتها ، ستجدني في الساعة التي توقّفت بها روحك "

ومنذ ذلك اليوم ،
كلما سمعتُ رنين ساعةٍ بعيدة ،
أشعر أن قلبي يتقدّم قليلاً … أو يتأخر ،
وكأنّ الوقت لم يعد مجرّد أرقام،
بل مرآةٌ لوجهٍ نسيته خلف ظهره 

الوسوم

    مقالات مشابهة