بيض الصَّعو ( الصيدليّ الكويتي )
حُرِّرت من قبل
د فرح صادق
ويتي)
رسالةٌ إلى من بيده القرار
سبعُ سنواتٍ يدرسها الصيدليّ الكويتي، ثم يُقسِم أمام الله عز و جل قسم الصيدلي بأن يجعل صحة المريض فوق كل ربح مادي، فلا يجد لقَسَمه موضعًا إلا خلف شبّاكٍ ضيّق في مستوصف. تسأله أمه مساءً عن عمله، فيبتسم ابتسامةً مكسورة، ولا يخبرها أن الحلم الذي حملاه معًا مات على حافة ذلك الشبّاك.
بلغ عدد الصيادلة الكويتيين نحو ألفين، ويُنتظر تخرّج أكثر من ثلاثة آلاف في خمس سنوات، ولا يدري أحدٌ أين سيعملون تحديداً ، يدرس الطبيب سبع سنوات كما يدرس الصيدليّ، غير أن الطبيب يجوز له الجمع بين العمل الحكومي والخاص، أما الصيدليّ فإما أن يذبل خلف الشبّاك، وإما أن يستقيل ويواجه السوق والقطاع الخاص وحيدًا.
فإن اختار السوق، طالبوه برأس مالٍ لا يملكه، وخُلوٍّ باهظ، وإيجارٍ لا يقلّ عن ألف دينار فما فوق ، في عشر مناطق استثمارية محدودة و مكتظّة ، يحاصرها قرار الألف متر بين الصيدليات، وأدويةٍ مسعّرةٍ لا يتجاوز ربحها خمسةً وعشرين في المئة. أُدرجت الصيدليات يومًا في صندوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فاستفاد صيدليّان اثنان فقط ، ثم أُزيل النشاط فجأة دون توضيح الأسباب !وقانون الشركات المهنية يُجيز الشراكة في كل نشاطٍ كالطب والمحاسبة والمحاماة والهندسة إلا الصيدلة! بقيت هي المهنة المنسية تماماً
وإن طلب الصيدلي وظيفةً في القطاع الخاص، قيل له: راتبك أربعمئة وخمسون دينارًا ولك دعم العمالة ؛ فلا نسبة توطينٍ تحميه، ولا حدّ أدنى لراتبه، حتى إن توطين الصيادلة لم يبلغ عشرة في المئة في الكويت !وفوق ذلك كله يواجه أمامه لوبي من المحتكرين لهذه المهنة من غير أهلها، يرونها تجارةً فقط لا رسالة و يحاول البعض منهم إبعاده عن المنافسة، فلا يُعان الصيدليّ الكويتي فحسب، بل يُحارَب في وطنه وبين أهله. والمفارقة الموجعة أن القانون رقم ٢٨ لسنة ١٩٩٦ قصر ترخيص الصيدليات الخاصة على الصيادلة الكويتيين، ثم لم يمنحهم ما يُحيون به هذه الرخص، فبقيت أوراقًا معلّقةً على جدران غيرهم، كشواهد قبورٍ تحمل أسماء أصحابها ولا تحمل أرواحهم.
وفي الجوار صورةٌ أخرى
في السعودية رفع القرار الوزاري رقم ١٠٣١١١ توطين الصيادلة إلى خمسةٍ وستين في المئة في المستشفيات، وخمسةٍ وخمسين في أنشطة الصيدلة الأخرى، بحدٍّ أدنى للأجر قدره سبعة آلاف ريال، فقفز عدد الصيادلة السعوديين في القطاع الخاص منذ ٢٠٢٠ من نحو ألفٍ ومئتين إلى أكثر من عشرة آلاف. وفي الإمارات شمل برنامج «نافس» الصيادلة بدعم رواتبهم حتى ٢٠٤٠. وفي عُمان أُلزمت الشركات بصيادلة عُمانيين في وظائف السلامة الدوائية. جيراننا مشوا، ونحن واقفون عند الباب نفسه منذ ثلاثين عامًا.
نداء لمن بيده القرار
ليعلم كل مسؤول أن هذا الصمت قرارٌ له ثمن: عقولٌ ستهاجر إلى قطاعات اخرى حيث يُقدَّر علمها، فتعلّم الكويت ويجني غيرها الثمر؛ ومالٌ عامٌّ أُنفق على البعثات ثم أُلقي في البحر؛ وصيدلياتٌ تُترك لمن يرى الدواء سلعةً لا أمانة ، فيدفع المريض الثمن؛ وأمنٌ دوائيٌّ يبقى رهينةً في يد غيرنا ساعة الشدّة ؛ وجيلٌ كامل يتعلّم أن التعب لا يُقدر في وطنه.
وأخطر من ذلك كله أن الصيادلة الذين يلفظهم القطاع الخاص سيرتدّون جميعًا إلى وزارة الصحة، فتتضخّم بهم حتى تغصّ ببند الرواتب ولنضرب الأمر بالأرقام: في الكويت نحو مئةٍ وستة عشر مركزًا صحيًا، يُنتظر أن تبلغ قرابة مئةٍ وسبعةٍ وعشرين بحلول ٢٠٢٧. فإذا بلغ مثلاً عدد الصيادلة الكويتيين بعد خمس سنوات نحو خمسة آلاف، وبقي تسعون في المئة منهم في الحكومة، فذلك قرابة أربعة آلاف وخمسمئة صيدلي؛ ولو وُزّعوا على المراكز الصحية وحدها لكان نصيب كل مركزٍ نحو خمسةٍ وثلاثين صيدليًا، يتزاحمون على صيدليةٍ لا تتسع لأكثر من بضعة شبابيك. وتلك هي البطالة المقنّعة بعينها: رواتب تُصرف من المال العام، وكراسي متكدّسة، وعلمٌ يصدأ بلا عمل فعلي سوى مناولة الدواء فقط ، والمسؤول الذي يملك أن يغيّر ثم لا يغيّر، شريكٌ في كل ما يترتب على صمته.
الحلول:
ولئن كان الداء معروفًا فالدواء معروفٌ كذلك، وهذه حلولٌ لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى قلمٍ شجاع وقرارٍ لا يُؤجَّل، ولا تكلّف الدولة شيئًا يُذكر إذا قيست بما أنفقته على تعليم أبنائها:
-الجمع بين العملين : السماح للصيدليّ الحكومي بالعمل في القطاع الخاص خارج دوامه، أسوةً بالطبيب وفق ضوابط محددة بنظام العمل الجزئي.
-رفع نسبة العمالة الوطنية و توطين الصيادلة : تُفرض من القوى العاملة في المستشفيات الخاصة وشركات الأدوية ومصانع الدواء ، وتتدرّج صعودًا، بغراماتٍ على المخالفين.
-حدٌّ أدنى للراتب: يدفعه صاحب العمل، ويبقى دعم العمالة فوقه لا بديلًا عنه أسوة بقرار الشقيقة المملكة العربية السعودية .
-باب الشراكة: يُجاز تأسيس شركاتٍ صيدلانية تبقى فيها للصيدليّ الحصّة الحاكمة والأكبر والإدارة الفنية.
-التمويل: يُعاد نشاط الصيدليات إلى صندوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة ببرنامجٍ خاص و اقساط ميسرة
-المكان: تُطرح صيدليات الجمعيات التعاونية للصيادلة الكويتيين وحدهم، ويُراجَع قرار الألف متر بين الصيدليات الذي سوف يؤثر على الأمن الدوائي و قلة عدد الصيدليات .
الدور: يُتوسَّع في وظائف الصيدلة السريرية في المستشفيات الحكومية والخاصة، ويُمثَّل الصيادلة في لجان سياسات الدواء.
(بيضُ الصَّعو) يقول أهل الكويت عن النادر الذي لا يكاد يُرى: «مثل بيض الصعو». وهذا حال الصيدليّ الكويتي في القطاع الخاص: يُسمع به ولا يُرى. وما يطلبه ليس منّة، بل حقٌّ لمهنةٍ تحفظ صحة الناس. فإلى متى يبقى الصيدلي يتيمَ الأسرة الصحية، يرى إخوته قد نالوا حقوقهم، ويبقى هو خلف الشبّاك ينتظر؟ وإلى متى تسأله أمه كل مساء عن عمله، فيخفي عنها أن ابنها الذي تفخر به صار في وطنه بيضَ الصعو؟
و دمتم بخير .
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(235)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(445)
المقالات
(397)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.4k)
السياحة
(13)
رئيس التحرير
(47)
التربية والتعليم العالي
(245)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(45)
الإقتصاد
(263)
الرياضة
(136)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(213)
نصوص مسرحية
(18)
صحف ومجلات
(16)
صور
(57)
برلمان
(26)
أحدث المنشورات
أرشيف
Oct 2026
(72)
Sep 2026
(78)
Aug 2026
(126)
Jul 2026
(170)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)

