{ ربّيناه… واختار طريقه }
حُرِّرت من قبل
الكابتن موسى بهبهاني
في أحد المجالس، لم يكن الحديث عن ابناً حاد عن طريق الصواب ، بل عن أب يحمل في قلبه سنوات من التعب والحسرة، ذكر رب الأسرة .. بأن أحد أبنائه لم يسلك الطريق الذي رسمه له والداه ، رغم ما بذلاه من جهد في التربية والتعليم والنصح والمتابعة .
كان الأب يتحدث عن تجربة لم تكن سهلة ،سنوات من التوجيه، ومحاولات مستمرة لحماية الابن من رفاق السوء والانحراف، وأمنيات بأن يرى أبناءه في أفضل حال .
لكن الواقع كان مختلفاً !!
اختار الابن طريقاً آخر، ووجد الأب نفسه أمام سؤال صعب :
هل يتحمل الوالدان مسؤولية كل قرار يتخذه أبناؤهما ؟
أحيانًا يكون أصعب ابتلاء على الوالدين … أن يروا ( أحد ) أبنائهم يسلك طريقاً لم يعلّموه إياه ، فالوالدان لم يقصرا فى التربية .. بل سهرا، تعبا، أنفقا، نصحا، ربّيا أبناءهما على الأخلاق والدين والاحترام … ثم يكبر أحد الأبناء، ويختار طريقاً آخر .
وهنا يتساءل الوالدان ؟؟
أين أخطأنا ؟
ماذا قصّرنا ؟
لماذا لم تنفع معه تربيتنا ؟
هل بالغنا في التدليل ؟
– قد يحمل الأب والأم هذا السؤال في قلوبهما لسنوات طويلة، و يلومان أنفسهم على شيء لم يكن بأيديهما.
– وقد يكون هناك والدان قصّرا فعلا في التربية، وهذا أمر يجب الاعتراف به ..و لكن في المقابل هناك آباء وأمهات بذلوا كل ما يستطيعون، وقدموا الحب والنصح والتوجيه، ثم وجدوا أنفسهم عاجزين أمام اختيار اتخذه ابنهم بنفسه.
فليس كل ابنٍ سيئ دليلًا على سوء تربية والديه، كما أن نجاح الابن لا يعني بالضرورة أن والديه كانا كاملين .
نعم، الوالدان مسؤولان عن التربية، ومسؤولان عن النصح والتوجيه والقدوة، لكنهما ليسا مسؤولين عن كل اختيار يختاره الأبناء عندما يكبران .
فالإنسان ليس نسخة من والديه، وليس دمية تتحرك كما يريدون.
قد تتم تربية مجموعة من الأبناء في بيت واحد، وينالون الحب ،والقيم والنصح بمسطرة واحدة ، ثم تجد احداً منهم يختار طريقاً مختلفاً وخاطئاً
لماذا ؟
– لأن لكل إنسان إرادة، و اختيارات، و يتأثر بمحيطه من .. ( الأصدقاء ، البيئة ، التجارب ، الأفكار ، و قد لا يتمكن الوالدان من التحكم فيها )
لذلك لا تجعلوا خطأ أحد الأبناء يمحو كل سنوات التعب التي بذلها الوالدان .
لا تقولوا للأم التي سهرت وربّت وضحّت ،
أنتِ فشلتِ في تربيته ؟
ولا تقولوا للأب الذي بذل عمره في تربية أبنائه ، أنت السبب في انحرافه ؟
ربما فعل الأبوان كل ما يستطيعان… لكن الابن اختار الطريق الخاطئ .
بالفعل التربية مسؤولية الوالدين، لكنها ليست عقد ضمان لمستقبل الأبناء ، على الأب أن يربي، وعلى الأم أن توجه، وعلى الأسرة أن تحتضن أبناءها، لكن عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الاختيار، يصبح مسؤولًا عن قراراته.
قال المولي عز وجل :
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً﴾
فتلك الآيات الكريمة تؤصلان مسألة حرية الاختيار والمسؤولية البشرية ، وهو الدليل القطعي على نفي " الاجبار " ، وإثبات " الإختيار " للإنسان ، فهو خُلق " مخيراً " يمتلك كامل الإرادة في أفعاله.
وهناك الكثير من القصص الواقعية على ذلك مثل :
1- قابيل وهابيل أبناء النبي آدم ( عليه السلام ) الذي لم يقصّر في تربية ولديه ، وبالرغم من ذلك قتل أحدهما الآخر .
{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فُتقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }
2- النبي نوح ( عليه السلام ) لم يقصّر فى تربية أبنائه وبالرغم من ذلك مات أحدهم كافراً .
3- النبي يعقوب ( عليه السلام ) لم يقصّر في تربية أبنائه الذين حقدوا على أخيهم ( يوسف ) وألقوه في البئر ليتخلصوا منه .
4- آسيا بنت مزاحم زوجة فرعون ، عاشت ملكة متوجة منعمه بالخير الوفير ، إلا أنها آمنت بالله سبحانه وتعالى سراً ثم جهراً بعد أن تبين لها الحق، وثبتت على إيمانها رغم بطش زوجها ، فتحملت العذاب ولم تتنازل عن إيمانها ، وطلبت من المولى عز وجل :
{ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ }
5- ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَ فَخَانَتَاهُمَا ﴾
بالرغم من كونهما زوجات الأنبياء إلا أنهن اختارتا الشرك بالله .
ختاما :
ليس من العدل أن نقول “ إذا فسد الابن فالتربية فاشلة ”
فكم من والدين صالحين ابتليا بابن لم يستجب لنصحهما، وكم من أبناء صالحين نشؤوا في ظروف صعبة ، والأشد ألماً أن بعض الآباء لا يعانون فقط من أخطاء أبنائهم ، بل يعانون أيضاً من نظرة المجتمع إليهم .
فالوالدان يزرعان ، و الأبناء هم من يختارون ماذا يفعلون بما زُرع فيهم .
{ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )
فإذا رزقك الله بأبناء صالحين فأحمد الله وأشكره كل يوم ، ولا داعى للافتخار بأنك أحسنت تربية أولادك وغيرك لم يحسن .
فلا تنسب هداية وأدب الأبناء لنفسك ، وتنسى أن هذا توفيق و هداية من المولى عز وجل ، ولا تجلد ذاتك لأن ابنك الذي بذلت له جهدك ومالك وعمرك في تربيته مازال بعيداً عنك وعن الهداية .
بل استمر و اجتهد في الدعاء له ، والله يأتي بالهداية في الوقت الذي يريده سبحانه .
نعم لا بد من تعبك وتربيتك وحسن تعهدك لأسرتك ، لكن مع يقينك بأنك سبب ..
ونجاح السبب من عدمه عند المولى عز وجل وليس عندك .
نحن بغير الله لا شيء ..
{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }
اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمدلله رب العالمين.
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(231)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(440)
المقالات
(389)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(13)
رئيس التحرير
(47)
التربية والتعليم العالي
(231)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(44)
الإقتصاد
(258)
الرياضة
(134)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(195)
نصوص مسرحية
(17)
صحف ومجلات
(16)
صور
(53)
أحدث المنشورات
اطلاق الانذار المبكر في ابها وخميس مشيط
2026-09-14
أرشيف
Sep 2026
(47)
Aug 2026
(126)
Jul 2026
(170)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
المزيد من الكابتن موسى بهبهاني
الوجوه المستباحة بعدسات المتطفلين
2026-09-06إشراقة النور المحمدي
2026-08-30الخصوصية المهدورة والحياة المزيفة ؟؟
2026-08-23

