blog
رحلوا وبقي الأثر

رحلوا وبقي الأثر

2026-10-25
0
90
0
avatar

حُرِّرت من قبل

الكابتن موسى بهبهاني

 

 

 

 

 

 

 

 

الموت حق، وكلنا راحلون عن هذه الدنيا الفانية ، لكن هناك أناساً حين يرحلون، يتركون في قلوبنا ذكريات لا تمحوها الأيام، وأثراً طيباً يبقى حاضراً مهما طال الغياب، فالموت حق والأثر الطيب يبقي حياً لا يموت .

 

و قد نصادف فى الحياة أشخاصاً لا نحتاج إلى سنوات طويلة لنعرف معدنهم الأصيل ،إذ تكفينا أخلاقهم الرفيعة، وابتسامتهم الصادقة، وحسن معشرهم، وطيبة قلوبهم، لندرك أننا أمام إنسان عفوي بسيط ،وجوده نعمة، وغيابه خسارة .

 

و هؤلاء لا تقاس قيمتهم بما امتلكوا، ولا بما حققوا من مناصب أو مكاسب، بل بما زرعوه في نفوس الآخرين من محبة واحترام، وبما تركوه من سيرة عطرة يتناقلها الناس بكل خير .

 

فالموت حق، والفقد قدر لا مفر منه، لكن بعض الرحيل يترك في النفس غصة لا تعبر عنها الكلمات، خصوصاً عندما يكون الراحل شاباً طيب القلب، مثابراً ، بسيطاً في تعامله، جميلاً في أخلاقه، متفائلاً بأن القادم أجمل مهما تعاظمت العقبات.

 

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }

 

فالموت حق وهو المصير المحتوم لكل حي مهما كان صغيراً او كبيراً .

 

هناك من يعامل طيب القلب وكأنه إنسان ضعيف ويقابل حسن الخلق بالاستغلال؟؟

 

لماذا يظن البعض أن طيبة القلب ضعف، وأن الأخلاق العالية فرصة للاستغلال ؟؟

 

وللأسف بعض الناس يخلطون بين الطيبة والضعف، وبين التسامح والعجز، وبين حسن الخلق والتنازل عن الكرامة ،فالإنسان الطيب لا يتجاهل الإساءة لأنه لا يستطيع الرد ، بل هو يترفع عن الانحدار إلى مستوى المسيء ، وكان فقيدنا - علي -  نموذجاً حياً لهذه الأخلاق الرفيعة والقلب النقي ،عاش بيننا وسيبقى في قلوبنا حياً لا يموت .

 

1/ المرحوم الشاب /  علي عبدالصمد الجزاف ( بو سارة )

 

تميز الفقيد - علي - بالبساطة والعفوية ، كان يتعامل مع الناس بقلب خالي من الأحقاد والضغائن ،متفرداً بنقاء سريرته و ابتسامته الجميلة التى تكاد لا تغادر محياه ،يمد يد العون فى صمت دون انتظار الثناء ،باراً بأهله ،محباً للجميع ،يعطي بلا مقابل ، يجبر خواطر من حوله، غادر دنيانا كما عاش فيها ... بخطوات هادئة و روح مطمئنة .

 

كان المرحوم - علي - إنساناً مثابراً، لم تكن العقبات التي واجهها في عمله لتثنيه عن مواصلة الطريق، بل ظل يتجاوزها بثقة وإيمان بأن الله سبحانه وتعالى سيوفقه ويعينه على تخطي الصعاب ، كان يحمل في فؤاده الأمل، ويؤمن بأن لكل عثرة تجاوز ، ولكل طريق شاق نهاية يصل إليها الإنسان بالصبر والعزيمة والتوكل على المولي عز وجل .

 

أتذكر فى العام الماضي 2025 ، دعاني المرحوم - علي - إلى حفل زواجه، كم كان فرحاً ومتفائلاً ،منشرح الصدر ، متهلل الوجه ، يستقبل مرحلة جديدة من حياته بكل أمل وسعادة . 

 

والحمد لله، وفقه الله في اختيار شريكة حياته، ورزقهما المولى عز وجل طفلة جميلة، أسمياها - سارة - لتكتمل فرحتهما وتبدأ رحلة الأسرة الصغيرة، بما تحمله من أحلام وأمنيات للمستقبل .

 

لكنها الأقدار  .. التي لا نملك أمامها إلا التسليم بقضاء الله ، فبينما كانت الحياة تفتح أمامه أبواباً جديدة، جاء الرحيل على غير موعد، وانطفأت ابتسامته من دنيانا، تاركاً وراءه زوجة وطفلة لم تبلغ ستة أشهر من عمرها، وأهلاً وأحبة لا يزال وقع الفاجعة في قلوبهم كبيراً .

 

تلقيت خبر وفاته المفجع من والده العزيز -بو محمد - فكان الخبر على نفسي مؤلماً وثقيلاً وصادماً يفوق الاحتمال ، وحين ذهبت لأداء واجب العزاء، لم أكن أواسي أباً فقد فلذة كبده ، بل كنت أسترجع غصة ألم أعرفه جيداً، مستحضراً ذكرى ولدي الراحل - مهدي - فعادت إلي مشاعر الفقد بكل ما تحمله من وجع و حنين .

 

وبالحقيقة كنت أعزّي بو محمد، وفي الوقت ذاته أعزّي نفسي ، فمصاب الآباء بفقد أبنائهم وجع لا يعرف عمقه إلا من ذاق مرارته، و هناك كلمات تقال في العزاء، وهناك آلام تسكن القلب وتعجز الكلمات عن ملامستها، ولا يبقى أمام الإنسان إلا الصبر والاحتساب والرجاء برحمة المولي عز وجل .

 

إن فقد الأبناء يذكرنا بحقيقة عظيمة ، فنحن مهما أحببنا أبناءنا، ومهما بذلنا من أجلهم، فإنهم أمانة أودعها الله بين أيدينا، ومسؤولية نسأل الله أن يعيننا على أدائها ، ومن أسمي ما نحرص عليه في تربيتهم أن نغرس في نفوسهم الأخلاق الحميدة، ونعلمهم التمييز بين الحلال و الحرام، ونربيهم على الصدق والأمانة ،و احترام الآخرين، ليكونوا صالحين لأنفسهم وأهلهم ومجتمعهم.

 

فليست الأمانة في أن نوفر لأبنائنا متطلبات الحياة ، بل في أن نمنحهم التربية الصالحة، ونغرس فيهم القيم التي تعينهم على مواجهة الحياة، ونبذل ما نستطيع ليكونوا أهلاً للخير و الصلاح .

 

أما الهداية والتوفيق، فبيد الله سبحانه وتعالى، نسأله أن يتقبل منا ما بذلنا، وأن يغفر لنا تقصيرنا.

 

رحم الله الشاب - علي - رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم المولي عز وجل والديه وأسرته الكريمة الصبر والسلوان، وحفظ الله زوجته وطفلته - سارة - وجعلها قرة عين لأهلها، وأنبتها نباتاً حسناً ، وستكبر - سارة - يوماً لتعرف أن أباها كان إنساناً مكافحاً ، طيب القلب، حسن الخلق، وأنه رغم قصر عمره ترك أثراً طيباً في نفوس من عرفوه وأحبوه .

 

 

2 / المرحوم / عماد عزت أبو اليزيد ( بو فارس )

 

الغربة ليست مجرد ترك الوطن بحثاً عن الرزق، بل هي فرصة لاكتشاف معادن الناس وبناء جسور المحبة بين المجتمعات.

 

 فكم من مغترب دخل بلداً غريباً بجسده، لكنه كسب قلوب أهلها بأخلاقه، فأصبح مثالاً للإنسان الذي يمثل وطنه بأفضل صورة.

 

المرحوم - بوفارس - مغترب ترك وطنه وأهله وذكرياته، وجاء إلى بلد آخر بحثاً عن لقمة العيش، فأكرمه الله بقبول طيب بين الناس، لحسن معاملته ، ولباقة حديثه ،ومقدرته العالية على الاختلاط بالمجتمع الجديد بروح من الاحترام والتقدير .

 

الفقيد - بوفارس - نموذج مشرف للرجل المكافح الذي يجمع بين السعي الشريف ومعاملته الطيبة مع الآخرين ، فهذا الراحل العزيز المقيم في دولة الكويت يمثل صورة حية لكيفية تحول حسن الخلق والقبول إلى أفضل من رأس المال في تجارة الإنسان ، عاش المرحوم معنا فى مجتمعنا الكويتي المميز ، عرف العادات والطبائع الكويتية ، و كان يتردد على أغلب الديوانيات بمختلف المحافظات ، تميز بالفطنة والخلق الحسن و بفهمه لقواعد زيارة الديوانيات من بداية الدخول و المكوث والمغادرة ، وتمكن من كسب التقدير والاحترام من الجميع .

 

كان يعرض بضاعته بأسلوب دمث ولبق، وبأسعار ميسرة ومعقولة،فهو لا يستجدي ولا يضغط على أحد للشراء، بل يعرض بضاعته بـأدب جم وعزة نفس عالية، مما يدفع رواد الديوانيات للشراء منه بكل محبة ورضا ،دعماً لكفاحه وإعجاباً بشخصيته، وليس مجرد الحاجة إلى السلعة .

 

رحمك الله يا بو فارس وغفر لك، وجعل الجنة مأواك ،ستبقى ذكراك العطرة حية نابضة في قلوبنا، وصورتك الطيبة لا تغيب عن بالنا.

 

ختاماً 

 

قد يرحل الإنسان فجأة، دون وداع أو مقدمات، لكنّ ما يتركه من طيب الذكر يبقى شاهداً على جمال روحه ونقاء سريرته.

 

 

‏وما المرءُ إلا ظلُّ طَيفٍ سينقضي

‏وتأتي ظلالٌ بعدَه وطُيُوفُ

 

‏وما العمرُ إلا غَفوَةٌ بعد غفوةٍ

‏وما الناسُ إلا وَمْضَةٌ وخُسُوفُ

 

‏فمُرَّ على الدنيا خفيفاً كما الندى

‏فإنّا على هذي الحياةِ ضيوفُ

 

 

 " إنّا لله وإنا اليه راجعون "

الوسوم

    مقالات مشابهة