blog
صفحات من التاريخ: الأقصى بين التحرير والاحتلال

صفحات من التاريخ: الأقصى بين التحرير والاحتلال

2023-11-04
0
9
0
avatar

حُرِّرت من قبل

يوسف عبدالله البركاتي



 
لا صوت يعلو حاليًا فوق صوت أزمة فلسطين الحبيبة التي تجددت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023م ومثلت بإجماع الخبراء سابقة نوعية في تاريخ الصراع العربي مع الكيان الصهيوني ، لم يسبق لها مثيلٌ منذ 75 عامًا. وفي أتون الحرب المشتعلة يعود اسم الأقصى إلى الواجهة والذي يعد بوصلة الصراع ومستهدف المواجهات منذ القدم... يأتي هذا المقال بالتزامن مع أحداث اللحظة ليشير إلى استعراض تاريخي لسياقات الصراع المرتبط بهذه البقعة المباركة؛ المسجد الأقصى

المسجد الأقصى قبلة الأنبياء وقبلة المسلمين الأولى ، وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها ، ومسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه ، ومصلى الأنبياء جميعًا ليلة الإسراء.
والأقصى بُني قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة ، وهو ثاني مسجد وُضِع في الأرض بعد المسجد الحرام في مكة ، دليل ذلك ما رواه الإمام البخاري أن أبا ذر الغفاري - رضي الله  - عنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن أول مسجد وُضِع في الأرض فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: "المسجد الحرام"، ثم سُئل عن المسجد الذي يأتي بعده فأجاب: "المسجد الأقصى" ثم سُئل عن المدة بينهما فأجاب: "أربعون سنة " وهو أرض النشور والحشر؛ فقد سألت ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال: “أرض المنشر والمحشر” (أبو داود وابن ماجه وأحمد). 


المسجد الأقصى ليس مسجدًا واحدًا
عندما نقول (المسجد الأقصى المبارك) تختلط الأمور في أذهان المسلمين، فمنهم من يعتبر أن الأقصى هو ذلك البناء ذي القبة الذهبية، والبعض الآخر يظن أن الأقصى المبارك هو ذلك البناء ذي القبة الرصاصية السوداء. ولكن مفهوم الأقصى المبارك الحقيقي أوسع من هذا وذاك ؛ والصحيح أن البقعة المباركة هي المساحة الكاملة التي تقع فوق تلة في الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس القديمة المسورة (البلدة القديمة) في شرقي القدس في الضفة الغربية. هذه البقعة على شكل مضلع غير منتظم مساحتها الإجمالية تتراوح بين 142 – 144 دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)؛ إذن المسجد الأقصى بقعة كاملة تتضمن عدة معالم مهمة يصل عددها إلى نحو 200 معلم؛ منها مسجد قبة الصخرة ومسجد البراق، والمسجد المرواني. من الجدير بالتنويه إلى أنه لم يطرأ أي تغيير على حجم أو مساحة بقعة المسجد الأقصى عبر فترات التاريخ الإسلامي المتعاقبة وحتى يومنا هذا فقد حفظ الله تعالى حدود هذا المسجد فلم يتعدى على حدوه أحدٌ من الناس إلى أن قام الأيوبيون والمماليك بترسيخ الحدود وأكملوا سور المسجد الأقصى كما نراه اليوم.






أهم قصص تحرير المسجد الأقصى في التاريخ:

توالى على أرض بيت المقدس أحداث وصراعات عدة في تاريخها قبل مجيء الإسلام، ودخلها أنبياء كثر بهدف نشر التوحيد فيها وإصلاحها بدءًا من آدم وحتى عيسى -عليهم السلام-، كما توالت الأحداث ما بين احتلال وتحرير طيلة 5000 سنة هي العمر المعروف لمدينة القدس. تتحدث بعض الدراسات أن مدينة القدس تعرضت ل 44 احتلال على مر التاريخ، لكن يمكن إجمال أهم أحداث الاحتلال والتحرير التي مرت بالمسجد الأقصى منذ فجر التاريخ وحتى الآن بثلاثة أحداث رئيسة تمهد للقول بأن الاحتلال اليهودي الحالي هو الاحتلال الرابع الكبير.... فيما يلي إيراد موجز بقصص التحرير الثلاثة الأهم في تاريخ الأقصى؛

ما قبل عهد الفتح الإسلامي بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
من أهم قصص الاحتلال والتحرير للمسجد الأقصى قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- هو ما حكاه  عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم عن قصة فتح نبي الله يوشع بن نون لبيت المقدس في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم فيقول: “غزا نبيٌ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني منكم رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا وهو ينتظر أولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه". لقد ظلت القدس في يد المسلمين من أتباع نبي الله يوشع بن نون نحو أربعة عقود بعد أن حرر القدس من العمالقة والقوم الجبارين، وبعد موته خرج جيل منحرف مترف جبان، فجرت فيهم سنة الله في المنحرفين، إذ سلط الله عليهم من أهانهم واغتصب أرضهم وسامهم سوء العذاب، وهم جالوت وجنوده الذين يرجح أنهم الآشوريون، وكان ذلك حوالي
( 1150 ق.م) ظلت القدس في قبضة جالوت وجنودِه إلى أن عاد أهلُ بيت المقدس إلى دينهم، واستعدوا للجهاد، وخرجت منهم فئةٌ مؤمنة ربانية مجاهدة قادها الملك المؤمن طالوت، وكان من بين جنده المؤمنين داود عليه السلام، وكان ذلك حوالي سنة ( 1025 ق.م)  حيث انتصر طالوت على جيش جالوت وقَتَل داوود جالوت بيده كما حكى الله القصة في سورة البقرة.
بعد ذلك ظلت القدس في حكم نبي الله داوود وولده نبي الله سليمان ومن بعدهما ضل الناس فأرسل الله فيهم أنبياء ورسلًا ووقعت تحت الاحتلال الفارسي ثم احتلال الاسكندر المقدوني لها ثم الاحتلال الروماني وظلت القدس في قبضة الرومان حتى بعث الله تعالى النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وجعلها قبلته الأولى، وأسرى به إليها، وجعلها معراجاً له إلى السماء، فعرف فضلها ومكانتها، فحبب أصحابه فيها، وبشرهم بفتحها.​



التحرير الثاني: الفتح الإسلامي للقدس والمسجد الأقصى
نظرًا لمكانة القدس لدى المسلمين فإنهم لم يقصروا منذ أن اندفعوا خارج الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- سنة (10هـ) الموافق (632م) في محاولة فتح فلسطين، وربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام عمليًّا بعد أن ربط الإسلام بينهما في عقيدة المسلم ووعيه الديني، وتم ذلك فعليًّا في أيام الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما انتصر على الإمبراطورية البيزنطية وتسلّم مفاتيح القدس سنة 16 هجرية 637 ميلادية.​
وظلت القدس بعدها إسلامية طيلة عهد الدولة الأموية والعباسية والطولونية حتى الاحتلال الصليبي لها.​






التحرير الثالث: (تحرير الأقصى من الصليبين على يد صلاح الدين الأيوبي)
دخل الصليبيون مدينة القدس سنة 1099 وقتلوا المسلمين واليهود والمسيحيين الأرثوذكس، وعاجلوا الجميع بكل القوة والتجبر ودام لهم الاحتلال 88 عامًا، حتى حررها القائد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين الشهيرة في (27 من رجب 583هـ = 2 من أكتوبر 1187م).
وبعد طرد الصليبيين من فلسطين عادت القدس تتبع مصر في عهد الأيوبيين والمماليك، ثم أصبحت فلسطين تابعة للأتراك العثمانيين منذ عام 1516م وظلت في أيديهم أربعة قرون تقريبًا حتى الحرب العالمية الأولى.​

الاحتلال الرابع للمسجد الأقصى:
بعد انتصار القوات البريطانية على الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى بقيادة الجنرال إدموند ألنبي دخلت فلسطين عام 1917م تحت الانتداب البريطاني حتى عام 1948م ، حيث انسحبت مفسحة المجال أمام اليهود لإقامة دولتهم في فلسطين التي سميت إسرائيل. ونجحت العصابات الصهيونية بمساعدة كل من بريطانيا والولايات المتحدة في إلحاق هزيمة بالعرب في حرب 1948م، وأعلنوا قيام دولة إسرائيل بعد غياب عن الساحة الفلسطينية دام لأكثر من ألفي عام. وفي عام 1967م حصل الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والمسجد الأقصى وحتى اليوم لمدة 56 عامًا والقدس والأقصى تحت الاحتلال اليهودي.



إن المتأمل في تاريخ القدس يجد أنها مركز الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل منذ أقدم العصور، وأنها خضعت لحكم الباطل مرات عدة، مددا طويلة أحيانًا، ولم يتمكن أهل الحق من تحريرها في كل مرة إلا بنوعية منتقاة من القادة والجنود. تتوافر فيهم ثلاث صفات هي: الإيمان، والالتزام، والقوة.
نستنتج من هذا السياق التاريخي أن فريقا الصراع بالأمس وفي جميع الأحداث أعلاه هم فريقا الصراع اليوم وعلى الأرض ذاتها، فالمسلمون في فلسطين اليوم يمثلون الفريق الإسلامي الذي يقاتل نيابة عن المسلمين في العالم، ويمثلون ما عند الأمة من درجة الإيمان بربهم، بهم يعرف ما عند الأمة من إيمان وصلاح وقرب من الله سبحانه وتعالى.

في الختام: المسجد الأقصى ليس مجرد مبنى من الحجر والخشب، بل هو رمز للأمل والتحدي، وهو مكان يجسد القوة والإصرار بقاءً على الحق والعدالة، في هذا المكان نجد أملًا في أن تأتي الأيام بالسلام والاستقرار لهذه المنطقة المقدسة، وأن يكون المسجد الأقصى دائمًا مكانًا للعبادة ولقاء القلوب.  تلك هي بشارة النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم-.

                            

الوسوم

    مقالات مشابهة