blog
‏سيادة القانون … صمام أمان الدولة والمجتمع

‏سيادة القانون … صمام أمان الدولة والمجتمع

2026-07-01
0
2
0
avatar

حُرِّرت من قبل

عبد الله القبندي

 

‏هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن قوة الدولة لا تقاس بما تملكه من ثروات أو إمكانات، بل بمدى احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء. فالقانون ليس مجموعة من النصوص الجامدة، وإنما هو الضمانة التي تحفظ الحقوق، وتصون الحريات، وتحقق العدالة، وتحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى.

 

‏وعندما يقال إن “القانون لا يجامل”، فإن المقصود بذلك أن العدالة لا تعرف الأسماء أو المناصب أو المكانة الاجتماعية. فالمجاملة في تطبيق القانون ليست رحمة، بل ظلم لغير المستفيد منها، وإضعاف لهيبة الدولة، ورسالة خاطئة بأن الالتزام اختياري، وأن الاستثناء أصبح قاعدة. ومن هنا تبدأ الفوضى، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويختل ميزان العدالة.

 

‏لقد أدركت الكويت، بقيادتها السياسية، أن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل إلا بسيادة القانون، ولذلك شهدت المرحلة الأخيرة توجهًا واضحًا نحو تعزيز هيبة الدولة، وتفعيل الأنظمة، وعدم التهاون مع كل من يعبث بالأمن أو يتجاوز على حقوق الآخرين أو المال العام.

 

‏ومن يراقب الواقع الكويتي يلمس نماذج عديدة تؤكد هذا النهج. ففي قطاع المرور، لم تعد المخالفات الجسيمة تمر مرور الكرام، بل أصبحت الحملات الأمنية تستهدف المستهترين، ومخالفي السرعة، والمتسببين في تعريض حياة الناس للخطر. فالهدف ليس تحرير المخالفات بقدر ما هو حماية الأرواح وترسيخ ثقافة احترام النظام.

 

‏وفي جانب آخر، جاءت إزالة التعديات على أملاك الدولة لتؤكد أن الملكية العامة ليست مباحة لأحد، وأن حماية الأراضي والمرافق العامة واجب وطني قبل أن يكون إجراءً إداريًا. فالمساواة في تطبيق القانون هي التي تمنح الدولة هيبتها، وتجعل الجميع يشعر بأن الحقوق مصونة.

 

‏كما أن التصدي لقضايا المال العام وملاحقة المتهمين بها، وإحالة الملفات إلى القضاء المختص، يعكس إيمان الدولة بأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يتفشى فيها الفساد. فالمال العام أمانة، وحمايته مسؤولية وطنية، والفصل في المسؤولية يبقى للقضاء وفق الضمانات القانونية.

 

‏وامتدت جهود تطبيق القانون إلى تنظيم سوق العمل، ومكافحة العمالة المخالفة، وضبط مخالفات الإقامة، بما يحفظ الأمن وينظم الاقتصاد ويصون حقوق جميع الأطراف. فالدولة التي تطبق القانون بعدالة تحمي المواطن والمقيم معًا، وتوفر بيئة مستقرة للنمو والاستثمار.

 

‏إن احترام القانون لا يبدأ في قاعات المحاكم، بل يبدأ من سلوك الفرد؛ من احترام الإشارة المرورية، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالأنظمة، وأداء الواجبات. فكل مواطن ومقيم هو شريك في ترسيخ دولة المؤسسات، لأن القانون لا ينجح بالنصوص وحدها، بل بثقافة المجتمع وإيمانه بقيمته.

 

‏واليوم، ومع استمرار الكويت في تنفيذ رؤيتها التنموية الطموحة، فإن ترسيخ سيادة القانون يمثل ركيزة لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الأمن المجتمعي. فالمستثمر يبحث عن العدالة قبل الأرباح، والمواطن يبحث عن المساواة قبل الامتيازات، والمجتمع يبحث عن الطمأنينة قبل كل شيء.

 

‏إن الدول التي تهاونت في تطبيق القانون دفعت ثمن ذلك اضطرابًا وضعفًا وفسادًا، بينما نجحت الدول التي جعلت القانون فوق الجميع في بناء مؤسسات قوية ومجتمعات مستقرة واقتصادات مزدهرة. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في كل مرحلة من مراحل البناء الوطني.

 

‏ختامًا، تبقى القاعدة التي لا تتغير: القانون لا يجامل، لأن المجاملة في تطبيقه تفتح أبواب الفوضى، أما العدالة المتساوية فهي التي تصنع هيبة الدولة، وتحفظ كرامة الإنسان، وترسخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فسيادة القانون ليست شعارًا يرفع، بل ممارسة يومية تبنى بها الأوطان وتصان بها المكتسبات.

الوسوم

    مقالات مشابهة