العبرة فى تدبر القرآن
Written By
الكابتن موسى بهبهاني
أوضح القرآن الكريم على بشرية الرسل { وما كان لبشر من قبلك الخلد } ، قد اختارهم المولي عز وجل وهيأهم لحمل الرسالة ، والرسل لهم صفتان بشرية ونبوية ،الصفة البشرية له احتياجات مثل نظرائه من الخلق والصفة النبوية تعصمه من أخطاء البشر
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
لماذا جاء تأكيد القرآن الكريم في العديد من الآيات القرآنية الشريفة على بشرية الأنبياء والرّسل ؟
لقد كرس الله سبحانه وتعالى فكرة بشرية الأنبياء ، و وصفهم في أكثر من موضع بأنهم يتشابهون في الخلق مع كل البشر ، في أشكالهم ، ومأكلهم ، وملبسهم ...، أو في حاجاتهم وقدراتهم الذاتية ، واحوالهم المختلفة ... وبطبيعة الحال لم يكن ذلك مجرد صدفة ، أو عبث
فما هي العبرة من ذلك ؟
لو تأملنا قليلا القصص القرآنية التي تناولت حياة هذه الشخصيات الرسالية من الأنبياء لوجدنا الشمولية في المواصفات والمميزات التي جمعت مرة بين الأنبياء ، والخصوصية التي تفرّد بها بعضهم ، فمن دروس اليقين بالله والإصرار والمثابرة مع نبينا نوح عليه السلام ، إلى دروس في الدعاء والاستغفار مع يونس عليه السلام ، إلى الصبر الجميل مع النبي أيوب عليه السلام ، إلى دروس في التسليم لأمر الله والتوكل عليه مع خليل الله إبراهيم عليه السلام ، إلى تواضع عيسى ، وحكمة وعدل داوود ، وشجاعة وعلم موسى ، وعفّة يوسف ، وقدرة وتدبير سليمان ، إلى دروس الرحمة والحلم والخلق العظيم ، والإخلاص والشجاعة ... عند نبينا محمد خاتم الأنبياء صلي الله عليه وآله وسلم
هي قصص حقيقية ليست من نسج الخيال أو البطولات الكاذبة ، قصص لا يشوبها زيادة أو نقصان ، تحاكي في شخصياتها نموذجا صالحا لمن اعتبر
وإجابةً على السؤال الذي طرحناه حول العبرة من التأكيد على بشرية الأنبياء ، إن المقصود به نزع الأعذار التي يخلقها كل منا لنفي إمكانية أن نكون كالرسل والأنبياء، لا بالمعنى الفعلي للمفهوم بل في صفاتنا الأخلاقية والإيمانية والسلوكية فنسعى نحو الكمال في ذواتنا ومجتمعاتنا ، ولم لا ؟ أو ليس الأنبياء كانوا بشراً وقد وصلوا على هذا التشريف !؟
ولنا اليوم ونحن نتكلم عن هذا الموضوع وقفة تدبّر ومقارنة بين أصحاب السلطة والملك والنفوذ في زماننا وبين من آتاه الله ملكاً وحكماً لم يؤته أحداً مثله ، وأعني بذلك سيدنا سليمان عليه السلام ، فكيف تصرف النبي سليمان ، هل أخذته العزة بالإثم ، أم أصيب بالغرور والكبر ، أو هل استغل سلطته، وملكه وحكمه في ظلم الناس والتحكم بمصائرهم وأرزاقهم ؟
لقد كان نبينا سليمان عليه السلام كما جاء في القصص القرآنية والأحاديث الشريفة ممن أنعم الله عليه بالجاه والسلطة ، وقد ورث عن أبيه داود عليه السلام علما وملكا عظيما، كما سُخِرت له الريح ، وأعطاه الله القدرة على التحدّث مع الحيوانات، لقد منح هذا النبي من المال والسلطة ما لم يمنحه إنسان ومع ذلك لم يتكبر أو يظلم ويبطش بل كان الحاكم العدل بين الناس، الذي حافظ على هذا الملك وجعل من قوته وملكه في طاعة الله وخدمة العباد، ليكون قدوة حسنة لكل حاكم وسلطان.
بالمقابل نجد أن قارون الذي كان على عهد النبي موسى عليه السلام - وكان رجلاً صالحاً في بداية أمره ومن المتعبدين - نجده بعد أن أنعم الله عليه من الثروات والمال مما لا يمكن حصره كما جاء ذلك في قوله تعالى ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) - بالاضافة إلى السلطة والقوة اللتين كان يمتلكهما واللتين يأتي بهما المال - بعد كل هذا الأمور التي انعمها الله عليه - لم يكن من الشاكرين ولم يسّخر هذه الاموال في مساعدة الفقراء والمحتاجين بل تكبر عليهم بعد أن وسوس له الشيطان عمله فأعمى المال والجاه عينيه عن الحق فزاغ عن السبيل ، واغتر بنفسه حتى وصلت به الأمور أن ينسب الخبر لنفسه ولجهده ، فظلم الناس وبطش بهم ونشر الفساد ومنع الحقوق ونسى ذكر الله ، فما كان إلاّ أن خسف الله به وبملكه الأرض على أعين الناس .
-العبرة من ذلك والذي يتمثل في قصة قارون أن المال والسلطة والقوة والتي ينعمها الله على بعض الناس هي إمتحان من الله لهم وهي تكليف وليس تشريفاً - فالسلطة تعني المسؤولية تجاه من تسلمنا زمام أمورهم من الناس ، ومن واجبنا أن ندير شؤونهم ، ونتدبرها ، ونحافظ على مواردهم ، ونحكم بينهم بالعدل والمساواة ، لأن المال والجاه عرض زائل وهما مجرد وسائل لتوفير فرص العيش الكريم ، ومواردَ توفرت لنا لنتمكن من خلالها من تحسين الحياة من حولنا
ولكن للأسف نرى أن حال احدنا - إن كان من أصحاب المال والجاه والسلطة - كحال قارون في تجبره وغروره - فمن يملك المال والجاه والسلطة - يستغل كل ذلك في إشباع شهوته لظلم الناس والتكبر عليهم وإذلالهم والتحكم في مصائرهم ، فانتشر الظلم وكثر المظلومين ، وأصبح المال مدعاة للفخر والتعالي على الناس ، وأداةً ومعياراً نقّيم به الناس الى طبقات ودرجات للمفاضلة بينهم ، بعد أن إنتفى التقوى ومخافة الله في نفوس أكثر الناس .
غاب عنا - بعد أن غفلنا عن الله وعن ذكره - أننا أمام أمرين ، إما أن نكون مثل سليمان الحكيم ، المؤمن العابد الصالح ، أو مثل قارون المتعنت الظالم المتكبر
-إن لنا في قصص القرآن عبرٌ كثيرة وفي سير الأنبياء دروس ومواعظ كثيرة أيضا - فلنستفد منها في حياتنا ونقّوم بها نفوسنا وهذا لا يتّأتى إلاّ ببذل الجهد والمثابرة وشحذ الهمم لتقوية الايمان والتقوى في نفوسنا ، وكذلك نشر هذه القيم في نفوس من حولنا وتشجيعهم عليها ، وتذكيرهم بالقصص والعبر التي وردت في القرآن الكريم وقصص الأولين من الأمم التي سبقتنا في هذه الحياة الدنيا والإستفادة منها لنحقق بذلك عدالة الله في الأرض ، ولنحافظ على الأمانة التي أمرنا الله بها لتعود البركة ويعم الخير من جديد ، فنسعد في الدارين الدنيا والآخرة
والنتيجة هنا فإنه حين ينعم الله علينا بالسلطة والنفوذ ، ويمنحنا المال والجاه ، فهذا يعني ان ذلك بمثابة تكليف لا تشريف، فالسلطة تعني المسؤولية تجاه من تسلمنا زمام أمورهم من الناس ، ومن واجبنا نحوهم أن ندير شؤونهم ، ونتدبر أمورهم ، ونحافظ على مواردهم ، ونحكم بينهم بالعدل وبالمساواة، أمّا الجاه والمال فهما مجرد وسائل لفرص العيش الكريم ، وموارد متاحة نتمكن من خلالهما أن نلعب دورا في تحسين حياة من حولنا
لكن للأسف ليس هو الحال اليوم حيث يجب أن نكون ، ولو كان كذلك فلماذا نجد بأن السلطة تستغل للنفوذ ، والتحكم بزمام الأمور، وقد انتشر الظلم وكثر المظلومون، أما المال فمدعاة للمفخرة والتعالي ، أصبح أداة ومعيار نقيّم من خلاله الناس في مستويات ، بعد أن حل مكان التقوى في المفاضلة بينهم
كل ذلك دون أن نعي أننا في خياراتنا ومسرتنا نتمثل إحدى النموذجين إما أن نكون سليمان الحكيم، المؤمن العابد الصالح ، أو قارون المتعنت الظالم والمتكبر...
فليكن لنا في القرآن عبرة، وفي سيرة أنبيائنا درساً ، فنشحذ الهمم والإيمان والتقوى لنعيد تصويب ما اعوج في أنفسنا وأهالينا، ومجتمعاتنا علّنا نحقق عدالة الله في الأرض ، ونحافظ على الأمانة التي خلقنا لأجلها لتعود البركة ويعم الخير من جديد ، فنسعد في الدارين الدنيا والآخرة
اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمد لله رب العالمين
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(222)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(435)
المقالات
(383)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(13)
رئيس التحرير
(37)
التربية والتعليم العالي
(216)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(44)
الإقتصاد
(252)
الرياضة
(132)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(176)
نصوص مسرحية
(17)
صحف ومجلات
(14)
صور
(34)
Recent Posts
الخلايا الجذعية
2026-08-13جريدة السياسة 17 ديسمبر 1997 المعهد المسرحي
2026-08-13
Archives
Aug 2026
(53)
Jul 2026
(170)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
More From الكابتن موسى بهبهاني
إنا نقّص عليك أحسن القصص
2026-08-09ملحمة الخلود
2026-08-02ماحكم الاستعجال ؟؟
2026-07-26

