blog
الاخلاص والتفاني في حب الوطن

الاخلاص والتفاني في حب الوطن

2023-07-30
0
8
0
avatar

Written By

الكابتن موسى بهبهاني





( من رحم المآسي يولد الأمل )

سطر ابناء الكويت البررة مواقف مشرفة في اشد الظروف آلاماً عندما أستبيحت اراضيها واستشهد ابناءها دفاعا وحباً للوطن العزيز 
و برز من أبنائها أبطال نفتخر بهم ، ثبتوا وعملوا ودافعوا عن الوطن دون ان يتباهوا بما فعلوا، ولم يفخروا بما قدّموا، بل أنكروا ذواتهم وكتموا أعمالهم، وابتغوا وجه ربهم الذي لا يُضيع أجر من أحسن عملا ، والذي يعلم السر والنَّجوى

 "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"

إن إنكار الذات صفة من أخلاق الذين سَمَت هممهم وعلت نفوسهم، فصاروا من الأبطال الصادقين في هذه الدنيا الفانية

وهناك كوكبة من هؤلاء الابطال الذين اخلصوا للوطن ومواطنيهم خلال اشد الازمات التي مرت بها الكويت اثناء الغزو الغاشم ،
وحقاً هم ابطال لم ينشدوا الشهرة ولا التباهي ولا المفاخرة ، عملوا بإخلاص وتفاني ورفضوا اللقاءات والمقابلات ولم يتم ذكر ونشر ما قاموا به من اعمال اثناء احتلال الوطن

يقال إن تزكية المرء لنفسه او لأقاربه هو أمر مستهجن الا اذا كان ذلك للعظة والموعظة والعبرة فهو امر مستحب ومطلوب لان الانسان يحتاج الى الاسوة والقدوة

قال تعالى { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } 
لأجل الفائدة والتعليم، لكونها من المواقف والمشاهد الحقيقية التي ينقلها صاحب التجربة للناس للتذكرة 

{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }

والآن وبعد مرور ٣٣ عام على غزو الكويت سنذكر بعض المواقف المغيبة و المشرفة لتكون لأجيالنا القادمة نبراساً فى حب الاوطان و الايمان والوطنية والعطاء

المشهد الاول 
١/ المرحوم / محمد صالح بهبهاني

مواطن كويتي يعمل بالأعمال الحرة ففي اليوم الثاني من الغزو الغاشم ٣/٨/١٩٩٠ قبل المغرب وصلت جحافل الغزاة الى منزله  في منطقة الشعب  ، وتم محاصرة المنزل حيث كان المرحوم/ محمد صالح وابناءه وابناء اخوته متواجدين فى الدار ، وكان هدف الغزاة اقتياد اخيه المرحوم مراد بهبهاني اسيراً ، وطلبوا تسليمه ؟؟
فقال لهم محمد صالح بانه خارج البلاد
فسألوه من انت ؟؟
قال انا اخوه ، فأقتادوه اسيراً دون ذنب بدلاً عن اخيه وانتقلوا به الى البصرة  وهناك عرض على المقبور ( حسين كامل ) وتم نقله الى بغداد و ايداعه في السجن الانفرادي ، وكانت زنزانة صغيرة طولها متر ونصف وعرضها متر ، من دون نافذة ولم يكن يعرف ليله من نهاره

وقد تعمدوا فعل ذلك في محاولة لتعذيبه نفسياً 
وتم على هذا الحال لمدة خمسة أشهر ونصف !!!
كانوا فى قمة الاجرام ، و يومياً ليلاً يتم تزويده ب ٣ اوعية
وعاء ماء ، ووعاء خبز الشعير ، وسطل لقضاء الحاجة !!!

فكان امامه خيارين لا ثالث لهما ، اما ان يستسلم للضغوط النفسية والتفكير السلبي والخوف فينهار !!!
او يلجأ الى الله عز وجل ليستمد منه القوة والصبر والعزيمة ، واختار اللجوء الى المولي عز وجل  فلم يبالي بالموت ولا بما يخطط له هؤلاء الطغاة ، ولم يخضع للضغوطات النفسية ، وبسبب صغر مساحة الغرفة المحبوس فيها بحيث لم يتمكن من النوم ممدداً قام بممارسة  الرياضة ( التمارين السويدية ) تعويضاً عن الضعف والهوان

وبعد مرور هذه الفترة الطويلة تم نقله الى سجن آخر مع ثلة من الاسرى الكويتيين  ، حتى انعم الله عليه بالفرج عندما قامت بعثة الصليب الاحمر بزيارة مفاجئة  للمعتقل ، وتم تسجيله أسيراً فى قائمة الاسرى دولياً خلال بدء عمليات الحرب الجوية ، وعند تحرير الكويت من براثين المعتدي تم نقلهم بواسطة الصليب الاحمر الى المملكة العربية السعودية ومنها العودة الى الوطن بتاريخ 27/3/1991 .


الرسالة من هذه القصة

فمن توكل على الله فهو حسبه وان كان في قبضة اعتى المجرمين فسوف ينقذه الله ان كان مكتوباً له ذلك

الرسالة الثانية ايجاد البدائل تعويضاً عن العيش تحت الضغوط النفسية الهالكة ولله الحمد كان ذلك هو طريق الحياة بعزة وكرامة


المشهد الثاني
٢/ حبيب محمد بهبهاني ( شافاه الله )

صاحب مؤسسة تجارية ووكيل ادوية لشركات عالمية ، خلال فترة الغزو الغاشم غادر جميع العاملين فى مؤسسته عائدين الى اوطانهم خوفاً على ارواحهم و ذلك امر مسلم به
فاجبرته الظروف على متابعة امور الشركة مع ابن خاله ابومحمد

و صدرت التعليمات من وزارة الصحة العراقية الى المستشفيات والمخازن ووكلاء الادوية واصحاب الصيدليات بان يتم تسليم جميع الادوية والمضادات الحيوية  الى سلطات النظام الغازي ليتم ارساله الى العراق ومن يخالف ذلك ينفذ فيه حكم الاعدام !!

و تم الاتفاق واتخاذ القرار بان يتم نقل الادوية الى المنزل بعيداً عن اعين جلاوزة النظام باسرع وقت دون تردد او خوف من تبعات مخالفة تعليمات الغزاة
و على الفور تم تجهيز سيارة النقل الخاصة بالأدوية و تم شحن كمية من الادوية بالسيارة ونقلها الى المنزل على عدة دفعات في خطوة فيها مخاطرة كبيرة ان اكتشفت خلال نقلها لإجتياز نقاط التفتيش وقد تم ذلك بفضل الله بنجاح ، ولكن في الشحنة الاخيرة  ، استوقفتنا نقطة تفتيش وعندها شعرنا بأننا وقعنا لا محالة في ايدي الطغاة ولكن بفضل الله سألنا احدهم ماذا لديكم ؟؟ طعام !! سجائر

!!

فألهم الله (ابومحمد) وأجاب دون تردد «معي أدوية»!
استهجن الجندي «الصدامي» من تلك الإجابة، وقال وباللهجة العراقية «تتشاقا معانا! روح يالله !!



فتم نقلها الى المنزل بسلام  ومن ثم تم تزويد 
المستشفيات والاطباء لاحقا بها ليتم علاج المرضى المحتاجين اليها ، وكذلك لعلاج المقاومين المصابين فى العيادات السرية


والجدير بالذكر أنه كان له دور كبير فى مساعدة العوائل التي كانوا فى كنفهم اطفال رضع  حيث زودهم بالحليب البودرة والمكملات الغذائية الخاصة بالاطفال بالاضافة الي الحفاظات والادوية المتنوعة ، و شارك بتقديم الاموال للمواطنين خلال فترة الغزو


 الرسالة من هذه القصة

العمل الوطني ليس شعارات وانما افعال واخلاص ووفاء وتضحية وجهاد في سبيل الله مصداقاً لقوله تعالى 
( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

ولم يكترث بالمخاطر المحدقة به من جراء هذا العمل ولم يعيره اهتماما ، بل صرف امواله الخاصة وبضاعته على المجتمع الذي كان في امس الحاجة إلى من يساعده ويمد له العون لاجتياز تلك الظروف الصعبة في ذلك الوقت 
فالكويت تستحق منا الكثير .
المشهد الثالث
عقيد م / شابور عبدالحسين بهبهاني

شخصية هذا المشهد تتميز بخصال طيبة ، منها انه لديه معرفة بلهجات كل قبيلة من قبائل الكويت وذلك بسبب احتكاكه وعيشه معهم ، وهذه المعرفة لها علاقة بعمله الذي يتطلب مقابلة المتطوعين الذين يرغبون بالالتحاق في صفوف القوات المسلحة ، حيث كانت هناك ايام مخصصة لكل قبيلة على حدة فكان ، بالدراية التي إكتسبها استفاد منها بحكم عمله يكتشف المدعين الذين يدّعون انتمائهم لقبيلة أخرى غير قبيلتهم

وكذلك هو شاعر ويتميز بالوطنية محباً لوظيفته ، يلتحق بعمله مبكراً ويغادر متأخراً بعد الدوام الرسمي ، ولا يقبل اية انحرافات او اخطاء ولو كانت صغيرة ، فعلى سبيل المثال كان يتفقد حتى انوار الاضاءة ، ففى موقع عمله فى رئاسة الأركان وبعد انتهاء الدوام كان يدخل مكاتب الضباط والافراد ويتفقد الاضواء فإن كانت الاضاءة مفتوحة يقوم بإطفائها ، ثم يقوم بإبلاغهم بهذه المخالفة التي ارتكبوها ، وانها تعد هدراً لمقدرات الدولة وان المحافظة عليها واجب على الجميع وينبه على تفاديها مستقبلاً ، فهو فى حياته كان ملتزماً عصامياً إلتحق بالقوات المسلحة منذ الستينات جندياً حتي ترقي الى رتبة عقيد متقاعد .

بالرغم من تقاعده قبل الغزو الغاشم سنة 1986
الا انه كان لا يزال يحمل فى طياته نفسه الروح العسكرية ، فعندما أستبيحت دولة الكويت من الغزاة العراقيين ارتدي بدلته العسكرية والتحق بوحدته العسكرية فى الجيوان من تلقاء نفسه ملبياً نداء الوطن للدفاع عنه ، وكان مع زملاءه يقاومون المحتل الا انه لعدم وجود التكافؤ بين القوتين ، اسلحة فردية من جانبهم ، مقابل جيش نظامي غازي مزود بالدبابات و المدافع و الطائرات ، فكان أن تم اتخاذ قرار الانسحاب الى منطقة كيفان سيراً على الاقدام وبعد مرور اسبوعين لجأ الى منزل والده بالدعية ومن ثم انتقل الى منطقة السالمية ثم انتقل الى منطقة الرميثية لملاحقته من قبل الغزاة وتعرض منزله فى سلوي وسياراته الى السرقة من جلاوزة الغزاة .

وبعد التحرير مباشرة التحق بالقوات المسلحة وتم تكليفه بحماية المستشفي العسكري وبعد مرور ايام تم تكليفه حماية مستشفي مبارك و شكل فرقة امنية تتكون من الشباب الكويتي الصامدين المتطوعين لحماية محيط ( مستشفي مبارك )فى الجابرية والعاملين به من الهجمات التي يتعرض لها المستشفي من فلول الغزاة واستمر لعدة أشهر بهذه المهمة ،ثم ابلغه رئيس الاركان آنذاك الشيخ جابر الخالد الصباح ( شفاه الله ) بان يتم تسليم حماية المستشفي الى ضباط وزارة الداخلية ليقوموا بهذا الدور ويرجع الجيش الى ثكناته العسكرية ،و طلب منه العودة مجدداً الى الخدمة العسكرية ،الا انه شكر الشيخ على الثقة الغالية واضاف أسأل المولى عز وجل أن أكون قد اديت الواجب على اكمل وجه فى ظل هذه الظروف الاستثنائية ، وانا اساساً متقاعد و لا انوي العودة الى العمل والبركة فى الشباب العاملين وفي أي وقت احتاجني الوطن ساكون على أهبة الاستعداد و اول الملتحقين فى الخدمة ،وكل الشكر لك ياسيدي على هذه الثقة التي اعتبرها وساماً على صدري .

و كان الوفاء من الشيخ جابر الخالد تواجده مع اسرة المرحوم لتلقي العزاء معهم فى وفاته.

ملاحظة 
لم يسجل المرحوم طلباً للتعويض عن خسائره المادية والاضرار المعنوية الذي لحقت به ،وعندما طلب منه تقديم الطلب ، قال : الحمدلله رجعت الكويت حرة وحفظنا الرحمن من كل سوء فهذا هو التعويض الذي يرضيني ، قمة الرضا والتسليم لله عز وجل لقضائه و قدره .


الرسالة من هذه القصة

الوطنية لا ترتبط بكون الانسان مرتبط بوظيفة ما بل هي متعلقة بالوطن والولاء له ، والوطنية هي حب الوطن وصون مصالحه فى السراء والضراء وتصل لاعلى المراتب بالايثار والتضحية بالحياة الاسرية والاستقرار والارواح من اجل الاوطان . 

فالانسان قد جُبل على حبّ وطنه
يحبّها، ويُواليها، وينتمي إليها، والجدير بالذكر أنّ 
الوطنية ليست كلمات نرددها و لا شعارات نعلقها وانما هي افعال تطبق وتثمر .

ونستذكر شهدائنا الأبرار ،اللهم ارحم شهداء الوطن الأوفياء، وارفع درجاتهم في عليين مع الأنبياء، واجز أمهاتهم وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا جزاء الصابرين يا سميع الدعاء.



حب الوطن ليس ادعاء
حب الوطن عمل ووفاء

اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة والحمد لله رب العالمين .

Tags

    Related Articles