blog
انتم في ضيافة الرحمن

انتم في ضيافة الرحمن

2023-03-26
0
9
0
avatar

Written By

الكابتن موسى بهبهاني




أقبل علينا شهر رمضان المبارك بلياليه الملهمة ، وبأيامه المعلِّمة ، وبأجوائه العابقة بالذّكريات ، والعِبر الدافعة إلى الحزم والانضباط ،ونصوم ونحيي الليالي، نعظّم الشعائر، نستقبله بقلوب وجلة ونفوس خاشعة وعيون دامعة وأخلاق سامية وأيد باذلة وبأرواح على الطاعة أقبلت وعن المعاصي فرت وأدبرت... 

قال النبي الأكرم محمد (صلي الله عليه وآله )عن شهر الله :

( أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله ، أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول ، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه ، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم ، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم ، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه ، أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ، ومغفرة لما مضى من ذنوبه، أيها الناس، من حسن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله) .

-عندما يقبل شهر رمضان فاننا نستوحي من كتاب الله وسنة نبيه أن هذا الشهر يراد من خلاله إيجاد منهج تربوي ثقافي روحي يتزود منه الفرد المسلم بطاقة روحية تمتد الى السنة كلها .

-نستلهم الكثير من العبر والدروس التي جاءت فى خطاب النبي الاكرم ( صل الله عليه وآله )في استقبال الشهر الفضيل المليئة بالرحمة والبركات الربانية المضاعفة، فهو من أفضل الشهور عند الله تعالى،  والذي خصّه الله بمزيد من القداسة والميزات :

-(أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات ) .

شهر رمضان شهر الله أضيف إلى المولى سبحانه من باب التشريف والتعظيم ، فكل شيء يضاف إلى الله وينسب إليه يزداد شرفاً وعزاً ، زمانا كان أو مكاناً أوعيناً من البشر أو من غيره .

 فلهذا الشهر خصوصية تختلف عن باقي الشهور ولذلك يجب علينا إغتنام هذه الفرصة ومنها نهيئ انفسنا على اغتنام كل ايام السنة.

-(هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله)


يدعونا الله عز وجل فيه إلى ضيافته الكريمة، وأن نكون من أهل كرامته ،عادة عندما توجه لنا دعوة بزيارة احد الاقارب او الاصدقاء نلبيها ونجد حفاوة الاستقبال والعناية من الداعي ، فياتري ان كنا ضيوفاً عند خالق الكون فكيف ستكون حفاوة الاستقبال ، فبالتأكيد هو يحب عباده وأرف عليهم من الام الرؤوف بأولادها . 

-( وجعلتم فيه من أهل كرامة الله )

فنحن ممن خلقه الله وكرّمه وفضّله وسخر له الأشياء ليكون مستحقا لخلقته ،الله سبحانه يكرم الجميع بلا استثناء لا يفرق بين الناس ، والمؤمنون يكون كرمه وعنايته لهم اكثر .

-( أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول )

ان كانت انفاسه مرتبطة مع الله فهي تسبيح ، أما إذا كان يشتم ويظلم ويتعدى على الآخرين فانفاسه مقترنة مع الشيطان , والنوم بمقدار ليس طوال الوقت انما هو نوم قليل ليتقوي على العبادة .

-( وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب ) . 

احياناً تتأخر استجابة الدعاء بسبب وجود موانع او يكون تأخر إستجابة الدعاء فيه مصلحة للعبد ،وبالتأكيد العمل الصالح هو المطلوب وعليه الاجر والثواب .

-( فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه ) .

الاعمال كلها تؤدي بنيات صادقة وخالصة لله عز وجل فهي ليست للتباهي والتفاخر بين الناس فالقلوب يجب ان تكون طاهرة وطيبة ، وقراءة القرآن ليست عجلة وتسابق لختم القرآن عدة ختمات خلال هذا الشهر ، انما هي للقراءة والتدبر في معانيه ، والمطلوب القراءة بالتأني والفهم ومراجعة التفسير كي نعرف القرآن ومعانيه ومراد الله من كلامه .

-( فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم ) .

أنّ أبواب السّماء في هذا الشّهر مفتوحة، ودعاء العباد مستجاب، والدّعوة للإنسان قائمة حتى يستفيد من هذا الشّهر في طلب التّوبة والاستغفار، ويعقد العزم على خلوص النيّة والعمل لله، وصولاً إلى رحمته والقرب منه.
يقول سبحانه : انا عند ظن عبدي بي 
فإن ظننت خيراً كان خيراً وان ظننت شراً كان شراً .

-( وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم )

هناك الكثير من المحتاجين والمساكين سواء فى الاوطان او فى خارجها والاولوية لاغاثة المحتاجين فى الاوطان ، فقد جاء في الحديث الشريف ( لا صدقة وذو رحم محتاج ) فالثواب الاكبر مساعدة الاقارب اولا ،ومن ثم مساعدة من هم فى الاوطان ،واخيراً مساعدة من هم خارج الاوطان .

هناك أناس فقراء يشعرون بالجوع ولا يجدون ما ياكلون وأن هناك ايتام فقدوا آباءهم وامهاتهم فعلينا ان نشعر بالمسؤولية في رعايتهم وتربيتهم وعنايتهم حتى نكون بمنزلة أسرهم ، فلنطلب من الله العفو والغفران فهو يتقبل التوبة ولنرفع أيدينا بالدعاء في اوقات صلواتنا لان الصلاة هي معراج المؤمن الى الله ونبتهل اليه فانها افضل الساعات فكل نفس مرهونة بأعمالنا فلنحررها بالعبادة والاستغفار وحسن الخلق وان نصوم عن ظلم الاخرين ، وان نخفف عن الاخرين معاناتهم .

-( ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم )

كبار السن لهم كل الاحترام والتقدير ، مثلاً ، عندما يدخل كبير السن مجلسا ما ثم لا يجد له مكاناً ، فهنا يجب على الصغار افساح المجال له ، وكذلك الحديث معهم باحترام ، كذلك التعامل مع الصغار لا يكون بالشدة والقسوة المفرطة فذلك له تأثير سلبي علي الابناء عندما يكبرون . 

-(وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم ) ، 
فالمشكلة الكبري وقت الفراغ والذي قد يكون سببا للإتجاه الى المحرمات .
إن الفراغ والشباب والجِدَة : مفسدة للمرء أي مفسدة .

-( أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ، ومغفرة لما مضى من ذنوبه )
من أطعم مؤمنا حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين
كما قال الله عز وجل : (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)

-( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )

فالقرآن كتاب الهداية، و رمضان شهر القرآن والصيام، فهناك ارتباط وثيق بين شهر رمضان والقرآن .
فهو هداية للناس يهديهم الصراط المستقيم وفيه بينات من الهدي فهو يفرق و يفصل بين الحق والباطل . 

-( أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه )

حسن الخُلُق : "تليّن جناحك، وتطيّب كلامك، وتلقى أخاك ببشرٍ حسن"
ومن جوانب الخُلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
"كان أجود الناس كفّاً، وأرحب الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله"

—( ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله) 

صلة الرحم تعمر الديار و تزيد فى الأعمار وأن كان أهلها غير أخيار.

إن هذا الشهر الفضيل قد أقبل علينا بالبركة ، شهر اراد الله للناس ان يرجعون فيه اليه بحيث تكون عقولهم لله وحياتهم لله فلا يكون للانسان فيه شيء لغير الله ، ان الله يبارك في هذا الشهر عباده ويمنحهم البركة وان فاضت هذه البركة على الانسان فإنها تكون سببا لسعادته ورحمة الله به ، فالله ينشر رحمته ويسهل الامور في هذا الشهر الفضيل فيما لا يفيضها في اي شهر اخر . 

ان الله سبحانه وتعالى يغفر في هذا الشهر ، وفي كل ليلة للمستغفرين ويمتد غفران الله للخاطئين والمذنبين لذلك فإن هذا الشهر جاء محملاً بالبركة والرحمة والمغفرة فعلينا ان نستفيد من ذلك لنتقرب الى الله اكثر والى محبة الله اكثر . 


ختاما :

انه شهر تربوي روحي نحاول التقرب فيه من الله وان ننمي ارواحنا وان نعمل فيه الخير لله بكثرة العبادة والصلاة والدعاء له ، وللناس بمد يد المساعدة إليهم وحسن التعامل معهم والرفق والتودد إليهم ، لنتمكن من الوصول إلى مرضاة الله والفوز ببركاته .

ان ابواب الجنة في هذا الشهر مفتوحة ،فلنسأل الله أن لا يغلقها علينا ، وابواب النار مغلقة فلنسأل الله ان لا يفتحها علينا ،والشياطين مغلولة فلنسأل الله ان لا يسلطها علينا .

-وهنا نتذكر أحبة لنا آباء أمهات أخوة أزواج زوجات وأبناء وأصدقاء وأقرباء ،حالت بينهم وبين شهر رمضان هذا العام المنية ،فندعوا الله لهم بالرحمة والمغفرة .

-اللهم أن أمواتنا اختفوا من حياتنا ولكن لم يختفوا من قلوبنا ولا ذاكرتنا ، رحم الله من كانوا يفرحون معنا فى إحياء شهر رمضان بل كانوا بوجودهم يزيدونه جمالاً وبهاءً ، فوالله فقدتكم العيون والقلوب والأماكن ،السلام على أحبائنا الغائبين عن موائد افطارنا ، ان الشوق واللوعة تزداد عندما نتذكر تجمعنا معاً على مائدة الإفطار واحياء لياليه بقراءة القرآن معكم ، نتذكرهم ونشتاق لكم فى كل الاوقات ، اللهم أجعل موائدهم وافطارهم ومسكنهم فى جناتك النعيم مع الصالحين من عبادك ، اللهم أرحمهم وأغفر لهم وأجعل مستقرهم أفضل من مساكنهم فى الدنيا ، اللهم أسبغ علينا صبرا وسلونا لفراقهم وأرحمهم برحمتك يا ارحم الراحمين .
أسألك يارحمن يا رحيم ان ترحمهم وترزقنا اللقاء فى جنتك وأن يكونوا مشمولين فى رحمتك وعطفك يارب العالمين .

اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمد لله رب العالمين .

        

Tags

    Related Articles