أسمى قيم الوفاء
Written By
الكابتن موسى بهبهاني
إن الركيزة الأساسية لنجاح بيئة العمل تقوم على العلاقة الطيبة التي يسودها الاحترام المتبادل والتقدير بين الموظفين ورؤسائهم ،فهي ليست مجرد علاقة قائمة على إصدار الأوامر وتنفيذها، بل هي علاقة تكاملية تقوم على الشراكة والتعاون والعمل بروح الفريق الواحد لتحقيق الأهداف المشتركة.
وعندما تسود هذه القيم في بيئة العمل، تنعكس إيجاباً على الأداء والإنتاجية، وتعزز روح الانتماء والولاء لجهة العمل ، فالموظف الذي يشعر بقيمته ومكانته داخل منظومة العمل يكون أكثر حرصاً على العطاء وتقديم أفضل ما لديه، وبروح التعاون تتلاشى الحواجز وتتجاوز العقبات.
ورد بالحديث الشريف
( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتقِنَهُ )
بمعني ان يؤدي العمل بإتقان و على أكمل وجه .
– الموظف الكفوء… عنوان للعطاء والوفاء
عندما يقضي الموظف الكفوء سنوات طويلة من عمره في خدمة وطنه ، ويبذل جهده بكل تفانٍ وإخلاص، ويساهم بخبرته في تطوير العمل والارتقاء بمستواه، فمن الطبيعي أن تكون العلاقة بينه وبين زملائه ورؤسائه قائمة على الود والاحترام والتقدير، وأن تستمر هذه العلاقة حتى بعد انتهاء سنوات خدمته.
ولكن نلاحظ أحياناً أو نسمع عن علاقات فاترة، بل قد تصل إلى الإقصاء والتهميش، خصوصاً عندما يقترب الموظف من سن التقاعد، وكأن سنوات عطائه وخبرته وجهوده لم تعد ذات قيمة بمجرد اقتراب موعد انتهاء خدمته.
وهنا يبرز تساؤل يستحق الوقوف عنده :
أليست من أسمى قيم الوفاء والإخلاص أن نكرم الموظف ونقدره عند انتهاء مسيرته الوظيفية، عرفاناً بما قدمه من عطاء وجهد طوال سنوات خدمته ؟
إن إحالة الموظف إلى التقاعد لا تعني انتهاء قيمته أو الاستغناء عن مكانته وخبرته، بل هي نهاية مرحلة وظيفية وبداية مرحلة جديدة من حياته، ومن المفترض من جهة العمل أن تحفظ له حقه المعنوي، وأن تودعه بما يليق بسنوات عطائه وإخلاصه.
فالتقدير لا يكلف الكثير، لكنه يترك أثراً عظيماً في النفوس، فالاحترام والتقدير يسريان في النفوس كما تسري الدماء في العروق .
– التقاعد أمر لابد منه
فالتقاعد بشكل عام أمر طبيعي لا بد منه ،لكن التقدير والوفاء حق أدبي وأخلاقي لا ينبغي أن يغفله المسئول ؟؟
ولنضرب مثالاً على ذلك، والأمثلة في هذا الشأن كثيرة :
يذكر أحد الموظفين الأكفاء أنه كان على رأس عمله، وقبل انتهاء الدوام الرسمي، استدعاه مديره وأبلغه بقرار إحالته إلى التقاعد !!
– إن التقاعد مرحلة طبيعية في حياة كل موظف، ولكن التقدير وحفظ الكرامة يظلان الأهم، فالموظف الذي أفنى سنوات عمره في خدمة عمله، وبذل جهده بإخلاص وتفانٍ ، يستحق أن يقابل بالتقدير والاحترام، وأن يمنح وداعاً لائقاً يليق برحلة عطائه، لا أن يفاجأ بقرار ينهي مسيرته الوظيفية دون تمهيد أو مراعاة لمشاعره.
فالتقاعد قد ينهي الخدمة الوظيفية، لكنه لا ينبغي أن ينهي حقه في التقدير والوفاء.
ما أجمل أن يبادر الموظف من تلقاء نفسه، وبرغبته وقناعته، إلى طلب الإحالة إلى التقاعد بعد أن يرى أنه قد أكمل مسيرته الوظيفية وأدى رسالته .
ولكن المؤسف حقاً أن يفاجأ الموظف الكفوء بقرار إحالته إلى التقاعد دون سابق إخطار أو تمهيد، ودون منحه فرصة للإستعداد لهذه المرحلة الجديدة من حياته.
وهنا يحق لنا أن نتساءل :
كيف ننتظر من الموظفين مواصلة العطاء والتفاني، وهم يرون أن سنوات الخدمة والإخلاص قد لا تقابل بالتقدير والوفاء؟
إن الموظف لا يحتاج إلى التقدير عند بداية مسيرته الوظيفية فقط، بل يحتاج إليه أيضاً عند نهايتها، فطريقة توديع الموظف تعكس حقيقة ثقافة جهة العمل وقيمها الإنسانية والإدارية .
– مسؤولية الإدارة تجاه الموظف المقبل على التقاعد
من المطلوب من الإدارة المعنية، إذا كانت لديها رغبة في إنهاء خدمات أحد الموظفين وإحالته إلى التقاعد، أن تحرص على إخطاره قبل مدة كافية، وليكن ذلك قبل - عام -على الأقل، حتى يمنح الفرصة الكافية للاستعداد لهذه المرحلة الجديدة، وترتيب أوضاعه المالية والاجتماعية والأسرية، بما يحفظ له الاستقرار النفسي والمعيشي، تقديراً لسنوات عطائه وإخلاصه .
كما أن من أجمل صور الوفاء أن تتم مخاطبة الموظف والتواصل معه قبل الإحالة الى التقاعد بأسلوب راقٍ و بكلمات طيبة وكريمة، تتناسب مع ما قدمه من جهود وعطاء طوال سنوات الخدمة ، بعيداً عن الجفاء أو المفاجأة أو إشعاره بأنه أصبح عبئاً على القطاع .
ومن جانب آخر، فإن تراكم الخبرات العملية و الإدارية والفنية المكتسبة على مدى السنوات الطويلة يمثل ثروة حقيقية لا ينبغي التفريط فيها، ومن الحكمة أن تحرص الإدارة على استثمار هذه الخبرات قبل إحالته إلى التقاعد، من خلال الاستفادة منه في نقل المعرفة والخبرات من الموظفين ذوي الخبرة إلى الأجيال الوظيفية الجديدة .
ولا يكتمل هذا الوفاء إلا بتكريم المتقاعد والاحتفاء بمسيرته الوظيفية بما يليق بمكانته وسنوات عطائه، تقديراً لما قدمه وإبرازاً لقيمة الإخلاص والانتماء لادارته.
فمثل هذه المبادرات لا تسعد الموظف المتقاعد فقط، بل تترك انطباعاً إيجابياً لدى زملائه الذين سيأتي دورهم في التقاعد مستقبلاً، وتؤكد لهم بأن جهة العمل لا تنسى أبناءها الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمتها.
فالإدارات الناجحة ليست التي تحسن استقبال موظفيها عند التعيين ، بل التي تحسن أيضاً فى توديعهم، وتحفظ لهم مكانتهم بعد انتهاء مسيرتهم الوظيفية .
– الموظف ثروة وطنية تستحق التقدير والوفاء
وإذا نظرنا إلى المتقاعد نظرة متعمقة، فإننا نجد أنه الجد والجدة- الأب والأم -الأخ والأخت - الابن والابنة- الأقرباء والأصدقاء ،الذين افنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن .
وما أجمل أن نولي رجال الكويت من الرعيل الأول، ولا سيما المتميزين والمخلصين ما يستحقونه من تكريم ووفاء، عرفاناً بما بذلوه من جهود، وما قدموه من خدمات وعطاءات أسهمت في بناء مؤسسات الدولة ونهضتها.
فالمجتمعات التي تكرم رجالاتها وتحفظ لهم مكانتهم، هي مجتمعات تدرك أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن العطاء لا يتوقف بانتهاء سنوات الخدمة .
ختاما
نسأل المولي عز وجل بأن نجد في جميع القطاعات الوظيفية إدارات تحرص على موظفيها، وتقدر جهودهم وعطاءهم، سواء أثناء فترة خدمتهم أو عند إحالتهم إلى التقاعد.
فإن الاهتمام بالموظف وتكريمه والاعتراف بما قدمه من إخلاص وتفان ،ليس مجرد نظام إداري، بل هو ثقافة حضارية تعكس رقي المؤسسات وتقديرها لمنتسبيها .
ولا شك أن مثل هذه الممارسات تترك أثراً إيجابياً في نفوس الموظفين، وتعزز الولاء والانتماء، وتنعكس بصورة مباشرة على بيئة العمل والمجتمع، ليعود أثرها في نهاية المطاف بالخير والتقدم على الوطن .
للموظفين المخلصين الأكفاء :
للهِ دَرُّكَ مِـنْ مَـانِـحٍ وَمِـنْ مِـعْـطَاءِ
تَبْنِي النَّجَاحَ بِعَزْمٍ دُونَ إِعْيَاءِ
أَعْطَيْتَ لِلْوَاجِبِ المَفْرُوضِ بَهْجَتَهُ فَصِرْتَ رَمْزاً لِإِتْقَانٍ وَإِحْيَاءِ
تَقْضِي النَّهَارَ جَهُوداً فِي وَظِيفَتِهِ كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ فِي نُورٍ وَعَلْيَاءِ
اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمدلله رب العالمين .
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(235)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(445)
المقالات
(398)
حكم ومواعظ
(11)
الاخبار
(1.4k)
السياحة
(13)
رئيس التحرير
(47)
التربية والتعليم العالي
(245)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(45)
الإقتصاد
(263)
الرياضة
(136)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(214)
نصوص مسرحية
(18)
صحف ومجلات
(16)
صور
(58)
برلمان
(26)
Recent Posts
الفريق عبدالحميد حجي
2026-10-31على هامان يا فرعون
2026-10-31
Archives
Nov 2026
(1)
Oct 2026
(78)
Sep 2026
(78)
Aug 2026
(126)
Jul 2026
(170)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
More From الكابتن موسى بهبهاني
رحلوا وبقي الأثر
2026-10-25معاناة فى انتظار الحل ؟؟
2026-10-18مربي الأجيال
2026-10-11

