بشارات تتجدد كل عام
Written By
الكابتن موسى بهبهاني
ما أسرع الساعات في اليوم وما أسرع الأيام في الشهر وأسرع الشهور في السنة وأسرع السنين في العمر .....
ها نحن نودع سنة ميلادية ونستقبل عاماً ميلادياً جديداً..
وها هو ديسمبر يلملم حقائب إحدى عشر شهرا مضوا بفرحهم وحزنهم شقائهم وسعادتهم ليعلن عن افتتاح عام جديد يخبأ بين طياته توقعات وأحداث جديدة .
وقد جرت العادة أن يكون رأس السنة الميلادية هي مناسبة لإقامة السهرات والحفلات واللقاءات التي تجري في الأماكن العامة والبيوت، فيتجمع الاصدقاء والاصحاب وتتبادل الاسر التهاني والمباركات باستقبال عام جديد متمنين للجميع الخير والهناء لهذا العام
إن العرف والدين لا يمانع في عيش أجواء الفرح ويدعو إلى توفيرها، فهو جاء أساساً لإسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة
لكن يبقى السؤال الذي لا بد أن نطرحه على أنفسنا، عن مدى الترابط بين أجواء الفرح المتمسكة بالأخلاق الحسنة التي نريدها وبين ما يجري في رأس السنة، لأننا نخشى أن نكون في هذه المناسبة مأخوذين بالجو العام والذي قد يكون للبعد المتحرر دور فيه، فتسقط القيم والأعراف والأخلاق في هذه المناسبة
فمناسبة رأس السنة لو أردنا تحليلها ووعيها ، تكشف عن مظاهر عظمة الله وقدرته في خلق سيّدنا عيسى(ع)، وما مثّله هذا النبيّ العظيم من قدوة للعالمين في أخلاقه ودعوته وجهاده في سبيل الله، كذلك ما تميّزت به السيّدة مريم العذراء(ع) من خصائص وصفات، فكانت النموذج الرساليّ المؤمن والصّابر. بدايةً لا بدَّ لنا من أن نتوقّف قليلاً أمام هاتين المناسبتين، لنستوحي منهما الكثير من الدروس والعبر وكيف ان الله سبحانه وتعالى جعل لنا هذه الولادات بشارات، هي بشارة يجددها الله في كل عام ليبقى لدينا الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل
ولادة مريم (ع) هذه الإنسانة التي كانت ولادتها في معنى الرّوح، فقد حدّثنا الله عن أمّها، وهي امرأة عمران، التي حملت بجنين ونذرته ليكون في خدمة بيت الله {إِذْ قَالَتِ امْرَأَة عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا}، وكلمة المحرّر تعني الذي قدِّم لخدمة بيت المقدس، ولا علاقة لأهله به، بل في كونه محرَّراً لله ، {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} هذا النّذر، وهذا الولد، {إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) فوجئت هذه المرأة بأنّ المولود أنثى وليس ذكراً، والأنثى لا يحقّ لها، بحسب شريعة ذلك الزّمان، أن تخدم في بيت الله {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}، في وظيفة الخدمة لبيت المقدس، {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، فهذه المرأة عندما وضعت ابنتها، ابتهلت إلى الله أن تكون صالحة خالصة مخلصة له
وهذا ما ينبغي لنا أن نستوحيه عندما نفكّر في الولد، سواء أكان ذكراً أو أنثى، أن لا نفكّر فقط في الجانب المادي الذي نحصل عليه منه، أو بما يمكن أن يحقّق من نجاحات دنيويّة ، بل أن نبتهل إلى الله بأن يعيذه وذرّيته في المستقبل من الشيطان الرجيم، بحيث نفكّر في صلاح أولادنا قبل أن نفكر في غناهم ونجاحهم المادي، وهذا ما يفرض علينا الكثير من بذل الجهد في تربيتهم ورعايتهم
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}، فقد تقبّلها الله، وجعل الكفيل والمربي والراعي لها نبيّاً من أنبيائه، عاشت في رعايته، فمنحها كلّ معاني الروح، وكل معاني التربية الأخلاقية ، فكيف يكون الطّفل عندما يرعاه نبيّ من أنبياء الله بكلّ ما يملك من الرّوحانيّة والأخلاقيّة ؟
وعلينا أيضا أن نعرف كيف كانت قصّة مريم في ولادتها لعيسى (ع)، والمعاناة التي عاشتها في هذه التجربة الصّعبة، وكيف اراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر قدرته في أن يخلق ولداً من أمّ دون أب !!
فرأس السنة في واقعه وكما ينبغي أن نتعامل معه لا بد أن يكون واحداً من محطات المراجعة المطلوبة من الإنسان دائماً، حتى لا يتيه في الحياة ولا يضيع الطريق الصحيح
ان هذا اليوم يمثّل مسألة حساب للنّفس، أن نحاسب أنفسنا كيف كنّا في السنة الماضية، وكيف يجب أن نكون فيما نستقبل من أيام السنة القادمة. إذا كنّا قد أخطأنا، فعلينا أن نستغفر الله من خطايانا، وإذا كنّا قد أحسنّا، فعلينا أن نستزيد من حسناتنا. أن ندرس كيف كنّا في أمّتنا في مواقع القوّة ومواقع الضّعف في الماضي، وكيف يجب أن نكون في المستقبل
فبدون هذا الحساب يصبح الإنسان مشرعاً على الرياح الآتية إليه من كل صوب والأخطار المحدقة التي تحيط به من الخارج من جهات تريد أن تدفعه إلى مهاوي الانحراف ، ولهذا دعا الله الإنسان إلى الحذر ومحاسبة النفس { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}…
فهذه الآية الكريمة دعوة إلى أن يدقق الانسان في مساره كي يتأكد من أن خطواته ستوصله إلى الهدف الذي حدده الله عندما قال: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..}
فإنَّ سبب تعاستنا وشقائنا وتخلّفنا في الدنيا والآخرة، هو عدم إدراكنا لأهمية الوقت، وعدم حرصنا عليه، بحيث تضيع أوقاتنا هدراً، وكأن شيئاً لم يكن. فلنحرص قبل الندم على أن نجعل عمرنا عمراً مباركاً، ونبلغ به مدارج العلم والعمل في الدنيا، لنرتقي به إلى الدرجات العليا في الآخرة، ولا نضطر إلى أن نقول {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}.. فبهذا نصلح واقعنا، ونواجه التحديات…
فلا تطلبوا من السنوات أن تكون أفضل، بل كونوا أنتم الأفضل فيها، فنحن من نتغير أما الأيام فتزداد أرقاماً فقط، و نذكر انفسنا وانفسكم ونقول تسامحوا تصالحوا و امسحوا الماضي وافتحوا صفحات جديدة ،اللهم أجعلها سنة لا يضيق لنا فيها صدر ولا يصعب لنا بها أمر، يا رب نصر وفرج ورزق وفرح قريب يا الله
يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارُ ، يَا مُدَبِّرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، يَا مُحَوَّلٌ الْحَوْل وَالْأَحْوَال ، حوِّل حَالُنَا إلَى أَحْسَنِ حال
وأخيراً، وعلى أعتاب بداية سنة جديدة، نتوجّه بالتهنئة إلى البشرية جمعاء سائلين الله أن يجعل مستقبل سنتنا خيراً من ماضيها، وأن ننعم فيها بالأمن والسلام سائلين الله أن يمتعنا بنفوس طاهرة صافية واعية زاكية وأن يكون مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه، وخير أعمالنا خواتيمها
اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمد لله رب العالمين
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(211)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(417)
المقالات
(368)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(187)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(234)
الرياضة
(102)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(109)
نصوص مسرحية
(1)
Recent Posts
أبيات للإمام الشافعي
2026-06-17
Archives
Jun 2026
(28)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
More From الكابتن موسى بهبهاني
عمليات التجميل ضرورة او ترف
2026-06-14العمل الخيري والوحدة الوطنية
2026-05-10بوادر الانفراجة
2026-05-02

