blog
في تلك الليلة الشتوية الساكنة من عام 2006

في تلك الليلة الشتوية الساكنة من عام 2006

2026-08-10
0
9
0
avatar

Written By

خديجة الفارسي

في تلك الليلة الشتوية الساكنة من عام 2006، كانت جدران الغرفة البسيطة تضم عالماً كاملاً من الحنان المحض. أمٌ شابة تجرعت مرارة الانفصال مبكراً، ولم تجد في ركام الأيام مأوىً لروحها سوى طفلتها الوحيدة؛ كانت البنت هي الشمس التي تشرق في عتمة أيامها، والأنشودة التي ترتلها في وحشة الليالي. كانت الأم تحيط ابنتها بسياج من الحب الجارف، وتقتنص لها اللحظات بالكاميرا الرقمية المتواضعة لتخلد براءة طفولتها كأنما تخاف على تلك الملامح من عابثات الزمن.

​حلَّ الهجوع وسكن الأنام، وانحنى الليل بظلاله الثقيلة على النافذة. كانت الطفلة قد غفت بسلام على وسادتها، تحيط بها أحلام بيضاء كالنقاء الذي تسكنه، بينما كانت الأم تجلس بقربها، تقلب صور ذلك اليوم على شاشة الهاتف الصغيرة بقلب يرفرف غبطةً وفخراً بثمرة فؤادها.

​لكن، وفي غفلة من الطمأنينة، التقطت عيناها تفصيلاً مريبًا خلف الطفلة.

​تسمرت الأم في مكانها، وانقبض قلبها كأنما انتُزع من بين اضلاعها. لم تكن الخلفية جداراً صامتاً ولا ظلاً طبيعياً؛ بل تجسد هناك كيانٌ غريب، ممسوخ الملامح، لا يمت للبشر بصلة، ينظر من خلف الطفلة بعينين تقطران بروداً ورهبة، كأنه كائنٌ تنزّل من عوالم سحيقة ومظلمة ليتربص بهما في خلوتهما.

​سرت قشعريرة جليدية في مفاصل الأم، وانعقد اللسان في الحلق. رفعت بصرها من الشاشة إلى الفراش لتتأكد، فلم تجد سوى ابنتها النائمة بأمان، لكن ذلك الظل المرعب ظل مخيماً في عتمة الصورة، يطالعها بيقظة شيطانية.

​استبدَّ بها رعبٌ أخرس، فالتصقت بابنتها المذعورة التي استيقظت على دقات قلب أمها المتسارعة وأنفاسها اللاهثة. نظرت الطفلة إلى وجه أمها الشاحب، ثم إلى شاشة الهاتف المضيئة، لتمتد يد الرهبة الصغيرة وتحتمي بصدر أمها الحنون. تماسكتا معاً في تلك الليلة السرمدية، موشحتينِ بالخوف، مغلفتين بحبٍ عظيم، وقد أدركتا أن بعض الزوايا في هذا العالم الواسع قد تخفي كائنات لا تملك سوى نظرات تحفر في الروح فزعاً لا يزول.

 

هذه قصة حقيقية ورأيت الصورة بأم عيني

 

من أرشيف خديجة الفارسي 💕

Tags

    Related Articles