blog
146. في صورة انسان

146. في صورة انسان

2025-05-11
0
3
0
avatar

حُرِّرت من قبل

أ.د علي احمد باقر

 

البداية من حيث لا بداية
في يوم ليس كبقية الأيام... كان يوم يشعر به عبدالله بثقل شديد في مفاصله 
دون الم ... دون شعور 
رعب فقط 
تحرك دون ان يستطيع ان يوجهه نفسه 
ركب السيارة ... لا يدري أن يذهب ... 
مرة وقت عليه ولم يشعر الا وهو امام شاطئ  البحر ...
لم يكن البحر في ذلك الصباح سوى مرآةٍ ميتة ...
ترجل عبد الله من سيارته كأن ساقيه لا تعودان إليه ، كأنما جسده بات آلة تحركها قوة أخرى ، خفية ، جبرية ، غير مرئية 
الليل مرخيا ظلال السوداء ، والهواء جامد كأنه حبس أنفاسه في انتظار شيء مريع
جلس على الرمل . مدّ قدميه إلى الماء ، فبللته الأمواج برفقٍ حزين ... لا طيور، لا أصوات . فقط سكون كثيف ، سكون قاتم
همس لنفسه : "كأنني لم فقد نفسي ... كأنني مجرد ظلٍ لخيبة ، لدمعةٍ تأخرت عشرين سنة عن السقوط."
وتذكّر

المذبحة الهادئة

ذلك المجلس ... كان رطبًا ببخور الخيانة... شيخٌ دين بوجهٍ لا يحركه الحياء ، وشاهدان ينظران إلى السقف كأنهم يشهدون مذبحة بصمت العاجز أو العارف
قال والد زوجته: "عبد الله، لقد صبرت عليك كثيرًا... لكنها لم تعد تطيق ، أنت تعلم أن عقلك لا يساعدك "
ارتجف .... لم يعرف: أي عقل يقصد ؟ العقل الذي ربى أطفالهم ؟ أم الذي عمل بلا كلل ؟ أم الذي أحبها حين كانت لا تزال تتعلم كيف تنطق اسمها مع كلمة "زوجة" ؟
قال: "أنا ... صريح منذ البداية . أخبرتها بوضعي ، وقبلت."
منذ ١٠ سنوات عندما خطبتها كانت تعلم بانه معاق نوعا ما ذهنيا 
... لم يخفي عنها ذلك 
كان صريحا 
وقبلت به 
كان يغدق عليها من كد ساعدة في وظيفة الحكومة حيث يعمل 
الا ان تلك الليلة تهدم كل شيء 
رفع راسه الى السماء ولاحظ سكون النجوم 
السماء بدت صافية الا من النجوم 
القمر قد غاب خلف الافق في غموض 
كل مشاعره متشابكة 
لا يعلم كيف وافق على ان يحرك لسانه بكلمة انت طالق ....
نعم منذ لحظات من تحطم حياته كان يجلس هناك بين يدي والد زوجته والذي كان قد اعد للجلسة واحضر معه شيخ الدين والشاهدين 
وهناك في غفلة الزمن 
طلب منه ان يطلق ابنته كون انه معاق نوعا ما ذهني !!!
الشيخ قال بصوت محايد كأنما يقرأ نشرة طقس : "الشرع يبيح الطلاق إن تعذر الانسجام."
رفع عبد الله عينيه إليها ... لم ترد .... لم تلتقِ عينه .... لم تلمس ذرة من وجعه

قال الشيخ : "قل: أنتِ طالق "
قالها ... قالها ولسانه يحترق :
كانت الكلمات تشبه وصمة عار 
شعر بالإحراج الشديد بين الشهود والشيخ ....
شعر ان كل شيء لا شيء 
لا وجود سوى الغموض
لم يستطع ان يحرك لسانه بل تحرك من تلقاء نفسه خشية الفضيحة وقال انت طالق 
اغمض عينيه 
وغاص بالاحلام
"أنتِ طالق..."
{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا} [يوسف : 11]

الفصل الثالث: البيت بعد المقصلة
البيت كما هو ... الجدران ، اللعب ، رائحة الطعام القديم ... لكنها لم تعد هنا 
جلست ابنته في حضنه وقالت : "بابا ، ماما راحت السوق ؟ "
أجاب وهو يبتلع أنينه : "نعم ، لكنها يمكن تتأخر قليلا "
في الليل ، جلس في ظلام المطبخ، فتَح القران الكريم ، وعيناه لا تريان الحروف جيدا لان ما جرى احث ندبات في راسه 
قرأ :
{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] 

ذبحٌ علني في السوق
في العمل ، لم يقترب منه أحد ... في المسجد ، أبعدوا السجادة المجاورة له ... 
في البقالة ، همس أحدهم للآخر: "هذا اللي طلقوه لأنه معاق "
جلس في المجلس العام، سمع صوتًا من خلفه يقول ساخرًا: "مساكين الأطفال، أباهم لا يعقل ... فهو معاق."
قال عبد الله بصوت خافت لكنه حاد: "الاحمق والمعاق هو الذي لا يعقل ، هو من يسخر من البلاء كأنه فضل "
الراهب المُهان
هناك كان يلعب مع اطفاله 
لكن هو غير متواجد معهم .
اين هو ؟
هم يلعبون دونه فهو خلف الزجاج المتهشم هناك 
جسده معهم والخيالات والظلال تحاصره 
لاحت في عقلة كلمات والد زوجته الذي قال له انت ترعى وتتكفل الأطفال فهي سوف تشق طريقها من جديد !!!!! 
نعم هو اصبح اضحية وقربان ليس لإمرأة بل لغد جميل لأطفاله 
هو سيضحى من اجلهم وهي من اجل نفسها ....
غادر الشاطئ وهو انسان اخر ليس كما كان 
حيث أصابه الشاطئ بندبة .... الذكريات

عند حلول الليل كل يوم يتفقد الأطفال في اسرتهم وتطمن عليهم بانهم في احسن حال 
وبعد أعوام ....
ويقال بانه اصبح راهب منزله ومعلم أطفال الخير وقوانين الحق والعدالة بل ربما اصبح نجمة في سماء الليل
بدأ يدرّس الأطفال ، يحكي لهم قصص الأنبياء ، يعلمهم القرآن بدموعه ، لا بصوته 
قال له طفل ذات يوم: "ابي، الناس يقولون عنك ..... ناقص ...."
ابتسم : "ربما ... لكني أنا أعرف أني أحبكم بصدق ... وربما هذا أعظم من كل الشهادات "
قالت له أمه ذات يوم : "يا عبد الله ، أنت أعقل من كل رجالهم "
أجابها وهو ينظر الأرض: " أنا مجرد إنسان لم يتعلم الكذب بعد "

حوار مع الابن الكبير
جلسا معًا عند منتصف الليل 
قال الابن: "أبي... لما لم تدافع عن نفسك ؟
لما سحمت لهم بالخيانة ؟
قال عبد الله : "لأني خفت... خفت ان أتحول لشيء أنا لا أعرفه ... أردت أن أبقى أبًا، لا جلادًا "
قال الابن: "أنت أعظم اب اسال الله ان يطول عمرك ويجعلني خادمك."
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) سورة يوسف

الحلم
حلم الابن ذات ليلة بوالده يسير فوق الماء ، الأطفال من حوله ، البحر يفتح له الطريق .... كان يحمل مصحفًا وعصًا ، ويقرأ بصوت خافت:
"إلهي علمك بحالي يغني عن سؤالي "
استيقظ ... كان الفجر... دخل غرفة والده فوجده ساجدًا 

من عيون الأبناء
قالت ابنته في دفترها :
"ابي ليس انسان بل هو ملاك متخفي ... لو كان هناك رسول بلا رساله لكان ابي ... هو دليل على أن الجمال الحقيقي لا يُرى بالعين ، بل يُحسُّ عندما نجلس في حضنه ونتنفس السلام "
قال الابن لأخته : "يقولون معاق ؟ لو عرفوا أي روحه تحمل عبق الاسلام ، لبكوا من خجلهم "
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44]

كان دائم التردد على البحر... يجلس ... كتب ذات يوم على ورقة :
"أنا لم أكن ضعيفًا ... أنا كنت نبيًّا بلا وحي ... ومعاقًا بنظرهم فقط "
ألقاها ... أغمض عينيه ... البحر ابتلعها ...
ومرت الأيام 

لم يُعرف بعدها إن كان لا يزال حيًا ... أم صار شهابًا في سماء الأطفال 
كما هي كل حكايات الذين لم يُخلقوا، بل صُلبوا ليكونوا شاهدًا على ظلم هذا العالم

الوسوم

    مقالات مشابهة