blog
في أعماق الذات

في أعماق الذات

2026-01-16
0
12
0
avatar

حُرِّرت من قبل

أ.د علي احمد باقر



جلس حيدر في غرفته الضيقة... جدرانها كأنها تتنفس معه... تضيق حين يضيق صدره... وتتسع حين يطلق تنهيدة طويلة... الليل يحيط به مثل عباءة سوداء... والنافذة الصغيرة لا تدخل إلا ضوءًا باهتًا من مصباح الشارع... كأنه شاهد صامت على وحدته.
كان حيدر يضع رأسه بين يديه... يضغط على صدغيه كأنما يريد أن يخنق الأصوات التي تتناوب داخله
النفس (بهمسٍ متعب) : أنت ضعيف… كل ما فعلته في حياتك مجرد تراكمات من هزائم صغيرة... البكاء الذي يغمر قلبك ليس إلا علامة سقوط... علامة أنك لم تعد قادرًا على مواجهة العالم.
العقل (بصرامةٍ باردة... كأنه قاضٍ في محكمة) : لا... البكاء ليس سقوطًا... إنه احتجاج الروح على الظلم الذي كتمته طويلًا... إنه دليل أنك ما زلت حيًّا... ما زلت تقاوم... من يسقط حقًا هو من يتوقف عن البكاء... من يتوقف عن الإحساس.
حيدر يرفع رأسه فجأة... عيناه حمراوان من الدموع... ويصرخ في داخله...
لكن إلى متى؟ إلى متى سأظل ممزقًا بينكما؟ أأنا عبدٌ لضعفي أم عبدٌ للمنطق؟ أأنا مجرد جسدٍ ينهار أم روح تبحث عن خلاص؟
ثم يسقط على الأرض... يمد يديه كأنما يستجدي شيئًا غير مرئي... ويهمس : يا رب… إن كان البكاء مرضًا... فاجعله دواءً... إن كان ضعفي عيبًا... فاجعله طريقًا إليك فقط 
في تلك اللحظة... شعر حيدر أن الغرفة لم تعد تضيق به كما كانت... كأن جدرانها تنصت لمناجاته الصامتة... كان يدرك أن الصراع لم ينتهِ... لكنه بدأ يتلمس طريقًا جديدًا... طريق التوبة... طريق الرجوع إلى الله.
ثم اخذ براءة مناجاة التائبين للامام زين العابدين عليه السلام 
في الصباح وبعد صلاة الفجر خرج حيدر من غرفته بعد ليلةٍ طويلة من البكاء والصراع... يمشي في شوارع المدينة ضمن الممشى الرياضي وكأن خطواته أثقل من جسده... وصل إلى مقهى قديم كان يرتاده أيام الصبا ... وهناك لمح صديقه القديم عبدالله ... الذي اشتهر بلسانه الساخر وعقله المتمرّد.
جلس حيدر أمامه بصمت... لكن عبدالله  بادره بابتسامة ساخرة:
عبدالله : ما زلتَ غارقًا في أوهامك يا حيدر؟ أراك أكثر انكسارًا من ذي قبل... هل ما زلتَ تظن أن الدموع ستنقذك؟
حيدر يرفع عينيه... فيهما بقايا دموع لم تجف:
حيدر: أوهام؟ لا يا عبدالله … إنني أبحث عن معنى... عن شيء يوقف هذا النزيف الداخلي... البكاء ليس ضعفًا... إنه صرخة الروح.
ضحك عبدالله  ضحكة قصيرة... ثم قال بحدة : الحقيقة ... التوبة ... الصلاة ...  أين كانت حين كنتَ وحدك؟ حين انهارت أحلامك؟ المنطق يقول إنك وحدك المسؤول عن حياتك... لا أحد سينقذك.
حيدر يضع يده على صدره... كأنه يحاول أن يوقف ارتجاف قلبه... ثم يهمس : لكن المنطق لا يفسر لماذا ما زلتُ حيًّا رغم كل هذا الألم... هناك قوة خفية... رحمة غير مرئية... تدفعني لأقوم بعد كل سقوط.
عبدالله  يرد بسخرية : رحمة؟ أم وهمٌ صنعته لتبرر عجزك؟ المرآة يا حيدر مكسورة... وكل ما تراه مجرد شظايا مشوهة.
حيدر ينهض فجأة... يحدّق في عبدالله  بعينين دامعتين... ويقول بصوتٍ مرتجف لكنه حاد : حتى المرآة المكسورة تعكس شيئًا من الحقيقة … وأنا أرى في شظاياها وجهي الممزق ... لكنني أرى أيضًا طريقًا نحو الله
سكت عبدالله  للحظة... كأن كلمات حيدر اخترقت صلابته... لكنه سرعان ما أشاح بوجهه... وأشعل سيجارة... تاركًا حيدر يغرق في صمته.
في تلك اللحظة... أدرك حيدر أن الصراع لن يكون فقط داخليًا بين النفس والعقل... بل خارجيًا أيضًا مع من ينكرون الإيمان... كانت المرآة المكسورة رمزًا لحياته المشوهة... لكنها ما زالت تعكس نورًا خافتًا من الحقيقة.

حيدر خرج من المقهى بعد حواره العاصف مع عبدالله ... لكن كلمات صديقه ظلت تتردد في داخله مثل صدى لا ينقطع... وبينما يسير في الشارع... شعر أن عقله الباطن بدأ يرسل له رسائل متناقضة... بعضها سلبية... وبعضها كأنها ومضات نور.
أنت ضعيف… لن تنجو.
لكن الله لا يترك عبدًا لجراحه.
حيدر توقف فجأة... كأنما يخاطب نفسه في حلقة جديدة من صراعه الداخلي... وقال بصوتٍ خافت : العقل الباطن مجرد سبب... لكنه ليس أصل الخير... أي فضل أو أي قوة تأتي في حياتي... فهي من الله سبحانه وتعالى... هو مسبب الأسباب... إن لم يكن عندي إيمان راسخ بهذا... فلن يكون لأي خطوة معنى.
ثم جلس على مقعدٍ حجري في ساحة عامة... وأخذ يكتب في دفتره كأنه يسجل الحلقة السابعة من كتاب حياته ...
فلترة الكلام كتبها .. 
كل كلمة سلبية تدخل عقلي الباطن تتحول إلى حقيقة... لذلك يجب أن أفلتر ما أسمعه... وألا أسمح للسموم أن تدخل.
قطع مصادر الإحباط كتبها 
لو كان هناك شخص أو محتوى يقلل من شأني... يجب أن أغلق الباب أمامه... الإحباط مثل النار... إن تركته يشتعل سيحرقني.
ملء يومي بالكلام الإيجابي كتبها 
أنا القاضي... وأنا الشاهد... وأنا من يمنح نفسي القوة... إن لم أدعم نفسي... فلن يدعمني أحد.
حيدر يرفع رأسه نحو السماء... ويهمس : يا رب... اجعل عقلي الباطن خادمًا لإيماني... لا سجينًا لضعفي... اجعل كل كلمة أقولها لنفسي دعاءً يقربني منك.
في تلك اللحظة... شعر أن المرآة المكسورة التي تحدث عنها عبدالله  بدأت تعكس صورة جديدة... صورة إنسانٍ يحاول أن يعيد بناء نفسه بالإيمان... لا بالوهم.

في اليوم التالي 
دخل حيدر المسجد بعد أيام من التيه... خطواته مترددة كأن الأرض نفسها تسأله: إلى أين تمضي؟... جلس في الصف الأخير... يراقب المصلين وهم يسجدون... وكل سجدة كانت كأنها طعنة في قلبه... لأنه يشعر أنه بعيد عن الله رغم شوقه إليه.
اقترب منه شيخ مسنّ... بوجهٍ هادئ وعينين تلمعان بحكمة السنين... وجلس بجانبه دون أن يسأله شيئًا... حيدر لم يحتمل الصمت... فبدأ يبوح : يا شيخ… أنا ممزق... عقلي يقول لي إنني مسؤول عن كل ما حدث... ونفسي تجرني إلى هاوية اليأس... وقلبي يصرخ أن النجاة مع الله... لكنني لا أستطيع أن أوفق بينهم.
الشيخ (بهدوءٍ عميق) : يا بني... الصراع الذي تعيشه هو نفسه الطريق... العقل يريد المنطق... النفس تريد الشهوة... والروح تريد الله... إن لم يكن هناك صراع... فلن يكون هناك إيمان... الإيمان يولد من رحم الألم.
حيدر يضع يده على صدره... كأنه يحاول أن يوقف النزيف الداخلي... ويصرخ في داخله : لكن لماذا انا هكذا بقلب يتألم من كل كلمة... من كل مقارنة... من كل رسالة سلبية دخلت عقلي الباطن حتى صارت حقيقة؟ ...لماذا أعيش كأنني محاصر بين نفسي وعقلي... كأنهما خصمان في محكمة لا تنتهي؟
النفس (بهمسٍ مظلم) : أنت ضعيف… لن تنجو... كل دمعة هي دليل على سقوطك.
العقل (بصرامةٍ باردة) : لكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها... البكاء ليس سقوطًا... بل احتجاج الروح... إن لم يكن لك إيمان... فلن يكون لك معنى.
الشيخ : البكاء دعاء لم تنطق بها شفتاك... والضعف طريق إلى القوة إن سلمته لله... يا بني... اجعل عقلك الباطن خادمًا لإيمانك... لا سجينًا لرسائل اليأس... فلتر الكلام... اقطع مصادر الإحباط... واملأ قلبك كل يوم بكلمة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ... سبحان الله والحمد لله ولا اله الا والله الله اكبر ... يا رب أقويني وأنا ضعيف وادخلني في كل خير ادخلت فيه محمد وال محمد واخرجني من كل سوء أخرجت منه محمد وال محمد ... ربني اني اسالك مما سالك به عبادك الصالحون واعوذ بك مما استعاذ منه عبادة المكرمون ...
حيدر يسقط على الأرض... دموعه تنهمر بلا توقف... لكنه يشعر لأول مرة أن دموعه ليست مرضًا... بل دواء... الصراع لم ينتهِ... لكنه صار أعمق ... لم يعد مجرد جدل بين العقل والنفس... بل صار معركة وجودية بين الإنسان وظله... بين الإيمان والعدم.
في ليلةٍ أخرى... جلس حيدر على الأرض... كأنما ينتظر محاكمة لا مفر منها... هذه المرة لم يكن الصراع فقط بين النفس والعقل... بل دخل سؤال جديد يزلزل كيانه: من أنت؟
ظهر المشهد في خياله كقاعة محكمة مظلمة ...
القاضي: عقله... يجلس بصرامة خلف منصة عالية.
المدعي: نفسه المذنبة... تهمس باليأس والضعف.
الشاهد: قلبه المرتجف... يبحث عن نورٍ وسط العتمة.
بدأت المحاكمة:
العقل (القاضي) : حيدر... أنت تقول إنك تبحث عن الله... لكنك لا تعرف حتى من أنت... هل هويتك اسمك؟ وظيفتك؟ مالك؟
النفس (المدعي) : أنت لا شيء… مجرد رجل محطم... بلا قيمة... بلا أثر.
حيدر يصرخ في داخله... كأنه يرد على الاثنين معًا : لا... أنا لا امثل اسمي ولا وظيفتي ولا مالي فقط  أنا أثر أتركه في الدنيا... أنا قيمة أؤمن بها... أنا إنسان يبحث عن الله وسط هذا الركام.
ثم يسمع صوتًا داخليًا جديدًا... كأنه حكمة تتسلل من أعماق روحه...
حيدر يضع يده على قلبه... ويهمس : يا رب... اجعلني أعرف نفسي لا بما أملك... بل بما أؤمن به... اجعلني عبدًا لك... لا عبدًا لأسماءٍ أو ألقابٍ أو أموالٍ زائلة.
في تلك اللحظة... شعر أن المحاكمة لم تنتهِ بالحكم... بل بالسؤال: من أنت حقًا؟  
وكان يدرك أن الإجابة لن تأتي من العقل وحده... ولا من النفس وحدها... بل من الإيمان بالله الذي يمنح الهوية الحقيقية.
في المساء وبعد صلاة المغرب حيدر خرج من المسجد بعد لقائه بالشيخ مرة أخرى ... لكن الصراع لم ينطفئ بعد... كان يشعر أن كل كلمة يسمعها... كل مقارنة... كل رسالة سلبية... تتحول في عقله الباطن إلى حقيقة... حتى لو لم تكن واقعية... جلس في غرفته... وبدأ يكتب كأنه يسجل الحلقة الرابعة من سلسلة حياته...
حيدر (يحادث نفسه):   يا ترى… كم من الناس يقررون أهدافًا لسنوات... لكنهم لا يرون نتيجة؟ السبب أن العقل الباطن لا يصدق إلا ما يراه قريبًا من الواقع... لو قلت لنفسك: أنا غني... بينما قلبي يجيب: نحن على هامش الفقر ... فلن يحدث شيء... بل العكس سيزداد الإحباط.
ثم يكتب خطوات جديدة... كأنها وصايا لنفسه
علي ان أكون قريب من الواقع فبدلا من قولي : أنا غني... سأقول : أنا في درب النجاح والغنى ...وعوضا كم قول : أنا واثق جدًا... سأقول : أنا أثق في نفسي أكثر يومًا بعد يوم.
ويجب علي ان أقوم بخطوات ملموس في الواقع ليتطابغ قولي وفعلي لان الأفعال أهم من الأقوال ...
العقل الباطن لا يصدق الكلمات وحدها... بل يصدق حين يرى أفعالًا تدعم الصورة الجديدة... إن أردت النجاح... تحرك... إن أردت الإيمان... صلِّ. إن أردت القوة... قاوم.
فالمعادلة الذهبية هي التوكيد + الإحساس + الأفعال = تغيير حقيقي.
حيدر يرفع رأسه نحو السماء... ويهمس : يا رب... اجعل ما انصح به نفسي حقيقا اقوى على اداؤها... وإحساسي إيمانًا... وأفعالي طريقًا إليك... واجعلني أتحرك لا بالكلمات فقط... بل بالعمل الذي يثبت أنني عبدك.
ثم يبتسم ابتسامة خفيفة... لأول مرة منذ زمن طويل... كأنما وجد معادلة جديدة للنجاة... الإيمان بالله هو الأصل... والتوكيد والإحساس والأفعال ليست إلا أسبابًا... والله هو مسبب الأسباب.
حيدر... بعد سجوده الطويل وانكساره أمام الله... بدأ يدرك أن الصراع لا يُحسم في النهار فقط... بل في الليل أيضًا من خلال صلاة الليل ... حين ينام العقل الواعي وتُفتح بوابة العقل الباطن بالكامل... في تلك اللحظة... يصبح كل ما يدخل إلى داخله حقيقة راسخة.
جلس حيدر على سريره... وأخذ يكتب في دفتره كأنه يسجل الحلقة الجديدة من رحلته ...
حيدر (يحادث نفسه) : قبل النوم بخمس دقائق... هذه هي اللحظة الذهبية... العقل الواعي يغفو... والعقل الباطن يفتح أبوابه بلا حارس... أي فكرة تدخل الآن تصبح حقيقة... تصبح جزءًا مني.
ثم بدأ يضع خطوات عملية... كأنها وصايا لنفسه ...
وصايا ما قبل النوم:
لاكتساب المال أقول لنفسي : أنا أستحق الوفرة… الخير يجري ورائي… دخلي يزيد كل يوم.
ولقتوية الثقة أقول ...أنا واثق في نفسي جدًا… أنا أكبر وأتطور كليًا.
ولتعميق ملكة الخيال وتحقيق الاحلام أقول ...أرى الصورة... واعيش اللحظة... وشعر بها كأنها واقع.
فإن كان المال هدف... يتخيل أنه حصل عليه ويصرفه في ما يحب.
وإن كان مشروعًا... يخيل اليه أنه بدأ ينجح... وأن خطواتي تستمر بثبات.
فالإحساس الحقيقي ... لا يكتفي بالكلمات... بل يعيش الإحساس كأنه واقع ملموس.
هنا يترك قلبه يصدق الصورة... حتى تصبح جزءًا من عقله الباطن.
حيدر يهمس وهو يغمض عينيه : يا رب... اجعل هذه الواصايا الخبرات الحياتية دوائي بعد الالصلاة على محمد وال محمد... واجعل التخيل يقينًا... واجعل الإحساس عبادة... اجعل عقلي الباطن خادمًا لإيماني... لا سجينًا لضعفي.
ثم يبتسم ابتسامة صغيرة... كأنما وجد طريقة جديدة ليحوّل الليل من ساحة خوف إلى ساحة أمل... كان يدرك أن هذه مجرد بداية... وأن الطريق طويل... لكن كل ليلة قبل النوم أصبحت بالنسبة له جلسة برمجة جديدة نحو الله والنجاح معًا.
في اليوم التالي 
حيدر استيقظ قبل الفجر... قلبه مثقل لكنه مختلف... الليلة الماضية لم تكن مجرد نوم... بل كانت جلسة إعادة برمجة... حيث تسللت الوصايا إلى عقله الباطن كدعاءٍ صامت... وبعد صلاة سنة الفجر وقرآنها ومع أول نسمة تتسلل من نافذته... شعر أن العالم كله ينتظر منه إجابة ... هل ستبقى أسير الصراع... أم ستولد من جديد؟
خرج إلى الشارع... المدينة ما زالت نائمة... لكن أصوات المآذن التي تنادي لصلاة الفجر لم ينتهي صداها بعد في عقله ... كأنها نداءٌ كوني يوقظ الأرواح... حيدر وقف في منتصف الطريق... وأغمض عينيه... يسمع داخله الأصوات التي لم تهدأ...
النفس (بهمسٍ مظلم) : لن تتغير… كل ما فعلته مجرد أوهام... ستعود إلى ضعفك... إلى دموعك... إلى لا شيء.

العقل (بصرامةٍ باردة) : التغيير يحتاج أفعالًا... لا دموعًا... إن لم تتحرك... ستظل كما أنت... الكلمات وحدها لا تكفي.
الروح (بصوتٍ عميق... كأنه نور الفجر) : لكن الله لا يترك عبدًا لجراحه... كل دمعة كانت دعاء ... كل ضعف كان طريقًا... وكل خطوة نحو التوكيد والإحساس والأفعال كانت بداية... اجعل إيمانك هو الأصل... وكل شيء بعده سبب.
حيدر يفتح عينيه... يرى المدينة بعينين جديدتين... المباني لم تعد جدرانًا صامتة... بل شواهد على حياةٍ مليئة بالاختبارات ... الناس الذين يمرون لم يعودوا غرباء... بل أرواح تبحث مثل روحه عن معنى.
الفجر لم يعد مجرد وقت... بل رمزًا لولادة ثانية.
حيدر يهمس وهو يتجه الى المسجد الذي صلى به... يا رب... اجعلني أعيش لا بما أملك... بل بما أؤمن به... اجعلني أثرًا يترك نورًا في الدنيا... لا ظلًا يذوب في العدم... اجعلني عبدك... وهذا يكفيني.
وفي تلك اللحظة... شعر أن الصراع لم ينتهِ... لكنه وصل إلى أقصى عمقه... ثم انفتح على أفق جديد... الإيمان بالله هو الهوية... والدموع هي الطريق... والفجر هو البداية.
خرج حيدر من المسجد بعد قراءة دعاء الصباح وحديث الكساء ... وقلبه مثقل لكنه مفعم بنور جديد... كان يشعر أن كل دمعة... كل صراع داخلي... كل محاكمة بين النفس والعقل... لم تكن إلا خطوات تقوده إلى باب واحد... باب الله... لكنه أدرك أن هذا الباب له طريق خاص... طريق سار عليه من قبل رجال ونساء جعلوا حياتهم أثرًا خالدًا... طريق آل البيت عليهم السلام.
جلس حيدر في زاوية المسجد... يتأمل... ثم بدأ يحادث نفسه  : يا رب... لقد جربت أن أواجه نفسي بعقلي... وأن أقاوم ضعفي بدموعي... لكنني وجدت أن النجاة الحقيقية ليست في قوتي... بل في الاقتداء بمن جعلتهم قدوةً لنا... آل بيت نبيك... الذين عاشوا الألم وصبروا... الذين جعلوا من دموعهم نورًا... ومن صبرهم طريقًا... ومن شهادتهم حياةً... إنهم الدليل أن الإيمان ليس كلمات... بل تضحية... وأن العودة إليك لا تكون إلا بالسير على خطاهم.
ثم تخيل حيدر نفسه في كربلاء... يسمع صدى كلمات الإمام الحسين عليه السلام:
إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.
شعر أن هذه الكلمات ليست تاريخًا بعيدًا... بل نداءً حاضرًا يخاطب قلبه الممزق... أدرك أن طريق آل البيت عليهم السلام هو طريق التوبة الحقيقية... الصبر على الألم... مواجهة النفس... والرجوع إلى الله بالعمل والإيمان.
حيدر ينهض... يتجه نحو باب المسجد... والمدينة تستيقظ مع الفجر... لكنه هذه المرة لا يخرج كإنسان ممزق... بل كعبدٍ وجد هويته
حيدر قالها أخيرا : انا عبد لله… وأسير على طريق آل البيت عليهم السلام... لأجعل من حياتي أثرًا... ومن ضعفي قوة... ومن دموعي نورًا.

الوسوم

    مقالات مشابهة