blog
صدى الأشباح في الكوخِ المَهجور

صدى الأشباح في الكوخِ المَهجور

2025-12-03
0
4
0
avatar

حُرِّرت من قبل

أ.د علي احمد باقر

 



كانَ الكوخُ يقبعُ كشاهدٍ صامتٍ على موتِ قريةٍ بأكملها... أخشابُهُ العفنةُ تتهاوى ، وسقفُهُ المثقوبُ يُناظرُ السّماءَ كعينٍ جاحظةٍ لا تبكي
هنا ، في هذا اللّحدِ الحيِّ ، كانَ يجلسُ هو؛ رجلٌ لا اسمَ لهُ، ولا وجهَ لهُ في ذاكرةِ أحدٍ
لقدْ جاءَ إلى هنا بحثاً عنْ الصّمتِ، عنْ العدمِ الّذي يزعمُ أنّهُ يُداوي ... ولكنَّ الصّمتَ في القريةِ المهجورةِ لمْ يكنْ صمتاً حقيقياً ؛ كانَ صوتاً لجوقةٍ منْ الأشباحِ ... أشباحِ الذّكرياتِ، أشباحِ الفشلِ، أشباحِ الأسئلةِ الّتي لمْ تُجبْ عنها روحُهُ قطّ
" العبادة تبقى خالصةً للهِ... ليستْ لحلاوةٍ العبادة ... ليستْ لسعادةٍ أداء الصلاة 
تتردّدُ هذهِ الكلماتُ في زوايا الكوخِ المُظلمةِ، تصطدمُ بالجدرانِ المتآكلةِ وتعودُ إليهِ كصدىً باردٍ، كأنّها صوتُ ضميرٍ يجلدُهُ في كلِّ لحظةٍ... كانَ يتذكّرُ الأيامَ الّتي كانَ فيها الإيمانُ شعلةً... تلكَ الأيامُ الّتي كانَ يقفُ فيها أمامَ ربِّهِ في خشوعٍ مُصطنعٍ، عيناهُ تتراقصُ رغبةً في رؤيةِ لمحةٍ منْ زينة الحياة الحياة بطعم الرّضا، قلبُهُ يرجفُ شوقاً لقطرةٍ منْ النّشوةِ الرّوحيّةِ... ربما .... هو كانَ يُصلِّي، لا لربِّه، بلْ لتلبية الرغبات الدنيوية لديه.
"يا لهُ منْ خداعٍ! يا لهُ منْ نفاقٍ!" 
يصرخُ صوتٌ خفيٌّ في دواخلهِ، صوتٌ يُشبهُ صوتَ جرذٍ يخدشُ الخشبَ في الجدارِ المظلمِ... كانَ قدْ ظنَّ أنّهُ يعبد الله مخلصا له ، ظن انه سيصلُ إلى قمّةِ الإخلاصِ... ولكنَّهُ الآنَ، في هذا الكوخِ البائسِ، يكتشفُ أنّ هذا التّجريدَ قدْ تركَ روحَهُ عاريةً، مُعرّضةً لرياحِ الشّكِّ القارسةِ.
"أينَ انا من محبة الله الخالصة دون محبة شيء من  الدنيا ؟" 
يهمسُ لنفسِهِ، وعيناهُ تتّجهانِ نحو ثقبٍ في السّقفِ يُشبهُ عيناً عمياءَ. "هلْ انا اعبد الله مخلصا له وهو الغيور الذي يحب ان لا يحب ان يكون في قلب احد معه غيره .
يرفع صوته بالدعاء : هلْ سحبتَ عنّي حلاوةَ الإيمانِ لأرى مدى صدقي، أمْ أنّني لمْ أعدْ أستحقُّها؟"
كانَ الصّراعُ يدورُ في أعماقِهِ كعاصفةٍ لا تهدأُ. 
الإيمانُ الّذي كانَ يوماً مرساةً، أصبحَ الآنَ زورقاً تتقاذفُهُ أمواجُ الأسئلةِ العاتيةِ. 
هلْ يُمكنُ أنْ تستمرَّ الرّوحُ في العبادةِ دونَ بصيصٍ منْ النّورِ؟ 
هلْ يمكنُ أنْ يسيرَ المرءُ في الدّروبِ المُظلمةِ دونَ أملٍ في ضوءٍ خافتٍ في نهايةِ النّفقِ؟
كانَ الكوخُ يتصدّعُ، كأنّهُ يُشاركُهُ انهيارَهُ الدّاخليَّ. 
ومعَ كلِّ صوتِ خشبةٍ تتأوّهُ، كانتْ روحهُ تتألّمُ... كانَ يرى صوراً مُتلاحقةً منْ حياتِهِ: وجوهُ أحبّاءَ رحلوا، قراراتٌ خاطئةٌ ندمَ عليها، لحظاتُ يأسٍ غاصتْ بهِ في القاعِ... كلُّها تتراقصُ أمامهُ كأشباحٍ في رقصةٍ مُحزنةٍ.
"لا، لنْ أستسلمَ!" يصرخُ أخيراً، صوتهُ أجشُّ يكادُ يُمزّقُ حنجرتَهُ. "حتى لوْ لمْ أعدْ أشعرُ بشيءٍ. حتى لوْ كانتْ عبادتي كرمادٍ باردٍ. سأستمرُّ!"
ولكنْ بينما يقولُ ذلكَ، يرى ظلّهُ على الجدارِ المهترئِ يتراقصُ بشكٍّ... ظلُّ رجلٍ تائهٍ، يصارعُ نفسَهُ في كوخٍ مهجورٍ، في قريةٍ نسيتها البشريةُ... رجلٌ أدركَ أنَّ أعظمَ صراعٍ ليسَ معَ الشّيطانِ الخارجيِّ، بلْ معَ الشّياطينِ الكامنةِ في أعماقِ الرّوحِ. ... الشّياطينِ الّتي تتساءلُ: ما الفائدةُ؟ وما المعنى؟ وإلى متى؟
يُشعلُ عودَ ثقابٍ، وضوءُهُ الخافتُ يكشفُ عنْ مئاتِ الحشراتِ الّتي كانتْ تسكنُ الظّلامَ. هلْ هوَ أحدُها؟ حشرةٌ ضائعةٌ في هذا الكوخِ الكبيرِ، تنتظرُ مصيرَها المجهولَ...
وأخيرا قالها : ربما لم اشعر بلذة العبادة لأنها خالصة لله دون ادنى شعور او محبة لشيء من الدنيا ... الهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك وانما وجدتك اهلا للعبودية

الوسوم

    مقالات مشابهة