عقد الظلام : حوارات القضاء المُحتم
حُرِّرت من قبل
أ.د علي احمد باقر
صمت البداية ومَكر هند
المشهد : غرفة معيشة محمد وسناء . الإضاءة خافتة ، ونافذة تطل على ليل المدينة البارد. هند تجلس على كرسي منفرد تتصفح هاتفها ، ومحمد يحمل كتاباً دينياً لكنه لا يقرأ.
محمد (صوت منخفض، كصوت الريح الباردة): لقد وعدنا الله يا سناء بالسكن ، ألم يقل: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ، ألا تشعرين ريح طيبة تريح سامعه ، إلا أني لا أجد سكينة هنا ... أجد دخاناً ثقيلاً لا يراه أحد غيري
سناء (دون أن ترفع عينيها عن الهاتف، تتحدث بنبرة مملة): السكينة لا تُخلق داخل الجدران يا محمد... ربما تحتاج روحك لبعض المتنفس... أنا أتكلم عن البهجة ، عن الحياة خارج هذا الصندوق الذي أغلقتَه علينا
محمد: هذه البهجة التي تتحدثين عنها تأتي من امرأة لم تدرك العواقب ..هدمة بيتها لا لتكون مطلقة ولا لتكون حرة بل لتكون شيطان طليق بين البيوت العامرة بالمودة والرحمة والسكينة... هي امرأة دمرت حياتها بنفسها... هند ليست صديقة او متنفساً للحرية ، هي ثقب أسود يبتلع كل نور... ألا ترين يا سناء ؟
هي تُظهِر الودّ وتُخفي عفن الحقد... تذكري : وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
سناء (ترفع عينيها ببطء، وتعبّر ملامحها عن التحدي): هذا إرهاب ديني يا محمد... أنتَ تحاول أن تُلبسها ثوب الشيطان لتبقيني أنا في عباءة الطاعة... هند هي الوحيدة التي أظهرت لي المودة التي تقول إنها ركيزة هذا البيت ، بينما أنتَ تُقدّمها كـ'واجب'
محمد (يرتفع صوته قليلاً): المودة ليست نزهات صاخبة يا سناء!
المودة هي اظهار المحبة بالقول والفعل ، هي اعتذار على خطأ، حماية للبيت من كل دخيل... : وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً...
(يأخذ نفس ) لقد حذرتُكِ، أنا أشم رائحة الـكَيْد في ثيابها. تذكري يا سناء ... : فَيَتَعَلَّمُونَ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ...
هند تتقن هذا الفن، وأنتِ تُقدّمين لها العقد.
حكم النصل البارد
(المشهد: محمد يطرح على الطاولة صورة أرسلتها هند عن سناء الى هاتف محمد ، وهي في مكان يمقته محمد... الضوء يسلط على الصورة، مُظهراً ابتسامة هند الباهتة ووجه هند المتلصص )
محمد (بهدوء مروع، كالجليد): لقد انتهى وقت العظة، يا سناء ... انتهت النصحية... هذا البيت أصبح ساحة للمأساة ، وهند هي المحرّض والمحركة له
... لن أعيش مع هذا الدخان الذي يُخنق نصف ديني
سناء (تضحك بمرارة، ضحكة سوداوية): إذن، ماذا بعد يا شيخنا؟ ...هل سنبدأ بـالهَجر في المضاجع؟
هل ستنام في الصالون لتعاقبني؟
تفضل! لتكن ليلتنا الأولى في الانفصال... ربما البرودة يعيد إلينا الإحساس
محمد (ينظر إليها بأسى عميق): لا تُلطّفي الأمر... بكوميديا سخيفة ... إنه ليس مجرد هجر، إنه الخطوة الثانية في تدمير البيت، بعدما رفضتِ 'العظة'... إنها آلية إلهية لجعلكِ تشعرين بوزن العواقب... أنتِ لاهية ببهجتكِ ، لكنكِ تنسين : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
...أنتِ الآن عدوي، لأنكِ اخترتِ هند
سناء: أنتَ لا تريدني أن أختار، أنتَ تريدني أن أطيع ... وأنا لم أعد قادرة على الرضوخ لأحكام الأهل او العشيرة
محمد ( يُسند كفيه على الطاولة، ويُقرّب وجهه ): اسمعيني جيداً...
هذا هو الحكم الأخير... لا مجال للعودة... إما أنا، وإما هند.
اختارك لي ربي لتكوني سكني ، لكن هند جعلتكِ رفيقاً لظل الشيطان ... وهذا ظلم لي
سناء ( تتراجع ، تحاول الدفاع عن نفسها ): أنتَ... أنتَ تضعني في خيار مستحيل!
محمد: بل هو خيار بين النور والظلام... اختاري يا سناء ...
إن ترددكِ الآن هو اختياركِ للفناء ... لقد أُعطيتِ كل المبادئ للحفاظ على بيتكِ: السكن ، المودة ، الرحمة
لقد أهدرتِها . إذا لم تختاري الآن، فهذا البيت سيموت
القضاء على عتبة الباب
(المشهد: بعد أيام من الهجر، محمد يقف على عتبة الباب. سناء تجلس على الأرض، منهكة ، هاتفة في يدها. هي لم تتخذ القرار )
محمد (بنبرة من أنهكته الحرب): لقد أرسلتُ لأمي... سنستدعي الحكمين ، حكماً مني وحكماً منكِ. هذا هو البند الأخير من العقد قبل النهاية المقيتة.
سناء (بصوت يائس ، يتصاعد إلى صراخ مرير): الحكمان؟ ... هل تظن أن أبي سيأتي ليُصلح ؟ ... إنه سيأتي ليُعلن انتصاري على قسوتك! .... هل تظن أن أمك ستأتي لترى كيف نهدم بيتنا ؟ ...لا، هي ستأتي لترى كيف سأدفع الثمن لأنني لم أكن الابنة التي أرادتها!
محمد: الحكمان هما رحمة من الله، إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا...
لكنكِ محكومة باليأس... أنتِ لا ترين إلا الصراعات... أنتِ لا ترين إلا ما هو تحت اقدامك لا تدركين العواقب ... هند هذه ليست شيطان فحسب بل هي ظل للشيطان
الان انتظر قرار حيث يجب أن ينتهي بكسري أو كسركِ بالبقاء مع هند
سناء : لقد اخترتُ الصمت... هذا هو جوابي النهائي... أنا لم أتخذ قرارك... أنا لن أترك هند... لقد تركتُك أنتَ تختار النهاية... وفي النهاية، سيكتبون في الوثائق أننا فشلنا، وسيفرح الشيطان
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (البقرة: 102).
محمد (بكلمة واحدة): انت طالق ... خرج محمد، تاركاً وراءه سناء تجلس وسط ركام من المودة المفقودة والرحمة الزائلة... لقد تحول البيت إلى مجرد هيكل ، وتحولت صور السعادة الى براويز يغشيها الغبار والهواء اصبح بارد ينهي به روحين كان محكوماً عليه بالفشل منذ أن دخل إليه هند وهي تحمل البهجة الزائفة على هيئة صديقة ... لقد كان زواجاً مُقدَّراً له أن يُصبح اسطورة فشل بسبب ظل من ظلال شياطين الانس
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(209)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(416)
المقالات
(367)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.2k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(186)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(234)
الرياضة
(99)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(107)
نصوص مسرحية
(1)
أحدث المنشورات
حفلة على الخازوق
2026-06-15عمليات التجميل ضرورة او ترف
2026-06-14
أرشيف
Jun 2026
(14)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
المزيد من أ.د علي احمد باقر
السماء المتوهجة
2026-04-01صرخات في زمن الفراعنة الجدد
2026-02-01في أعماق الذات
2026-01-16

