العبث انتهى… ومرحلة المحاسبة بدأت لاستعادة هيبة الدولة
حُرِّرت من قبل
محمد مهلهل الياسين
لم يعد خافيا على أحد أن العبث طال ملفات حيوية في الدولة، وتراكمت أخطاء ومخالفات مالية وإدارية عبر سنوات طويلة، بعضها اغلق بالمجاملات، وبعضها علق بذريعة «الظرف» أو «الاستقرار»، حتى تحولت بعض الملفات إلى ألغام مؤجلة، تهدد المال العام، وتستنزف الثقة، وتضعف مفهوم الدولة في وعي الناس.
لم تكن المشكلة يوما في غياب القوانين أو نقص الأدوات الرقابية، بل في غياب الإرادة السياسية الجادة لتفعيلها في الوقت المناسب، وفي ثقافة سادت لسنوات مفادها أن بعض الملفات «لا تفتح»، وبعض المواقع «لا تمس»، وبعض الأسماء «فوق المساءلة».
اليوم، ومع فتح هذه الملفات دون انتقائية، تدخل الدولة مرحلة مختلفة، مرحلة قوامها المحاسبة لا المساومة، وسيادة القانون لا التسويات، في مواجهة شاملة لكل أشكال الفساد، ماليا كان أم اداريا، فرديا كان أم ممنهجا.
الدستور… مرجعية لا تحتمل الالتفاف
الدستور الكويتي لم يترك ملف المال العام والمساءلة للاجتهاد أو المزاج السياسي، بل حسمه بنصوص قاطعة لا تقبل التأويل الانتقائي.
فقد نصت المادة (17) صراحة على أن:
«للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن»،
وهو نص لا يفرق بين موظف صغير أو مسؤول كبير، ولا يمنح حصانة لموقع أو منصب.
كما قررت المادة (6) أن نظام الحكم يقوم على العدل، والعدل لا يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات، بل بمساءلة كل من عبث أو قصّر أو استغل موقعه الوظيفي، وبإيقاف منطق «الخطأ المسموح» إذا كان مرتكبه صاحب نفوذ.
أما المادة (50)، فقد رسمت الإطار الدستوري للفصل بين السلطات، حمايةً للرقابة من التسييس، ومنعًا لتحول السلطة التنفيذية أو التشريعية إلى مظلة تعطل المحاسبة أو تفرغها من مضمونها.
فيما أكدت المادة (26) مبدأ تكافؤ الفرص، وهو مبدأ يسقط عمليًا حين يُكافأ المسيء، ويُرقّى المقصّر، ويُهمّش الملتزم، وتُدار المؤسسات بمنطق الولاءات لا الكفاءات.
الفساد… حين يصبح سلوكا لا استثناء
الخطير في الفساد ليس فقط حجمه المالي، بل تحوله إلى سلوك إداري مألوف، وإلى ممارسة تبرر وتسوغ وتحمى أحيانا بالصمت. فحين تدار المشاريع بلا معايير، وتوقع العقود بلا محاسبة لاحقة، وتعتمد أوامر التغيير دون مبررات فنية واضحة، يصبح الهدر نتيجة طبيعية، لا خطأ عارضا.
وحين تتراكم الملاحظات الرقابية دون معالجة جذرية، وترحل المخالفات من تقرير إلى آخر، يفقد الجهاز الإداري حس المسؤولية، ويتحول المنصب من تكليف إلى غنيمة.
المحاسبة… اختبار الجدية الحقيقي
إن فتح ملفات الفساد اليوم ليس تصفية حسابات، ولا استعراضا إعلاميا، ولا محاولة لامتصاص غضب الشارع، بل تصحيح مسار طال انتظاره، وإعادة اعتبار لمفهوم الدولة الجادة التي لا تحمي الخطأ، ولا تتواطأ مع الفساد بالصمت، ولا تخشى مواجهة الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
لكن المعيار الحقيقي لنجاح هذه المرحلة لن يكون بعدد الملفات المفتوحة، ولا بحجم الضجيج الإعلامي، بل بنتائج ملموسة:
• محاسبة فعلية لا انتقائية فيها
• استرداد المال العام حيثما ثبت الهدر أو التعدي
• إبعاد كل من ثبت تقصيره عن مواقع القرار
• وبناء منظومة إدارية تمنع تكرار الخطأ بدل الاكتفاء بمعاقبة نتائجه
دولة القانون… أو دولة التسويات
الدول لا تنهار فجأة، بل تستنزف تدريجيا حين يترك العبث بلا مساءلة، وحين تدار المؤسسات بلا معايير، وحين يصبح الفساد «ملفا مؤجلا» لا قضية وطنية. وحينها، لا يكون الخطر في العجز المالي فقط، بل في انهيار الثقة، وتآكل هيبة الدولة، وتطبيع الفوضى تحت مسمى الواقعية السياسية.
المحاسبة اليوم ليست خيارا سياسيا، ولا ورقة ضغط مؤقتة، بل ضرورة دستورية، وحماية للمال العام، ورسالة واضحة بأن زمن التعليق والتسويف قد انتهى، وأن دولة القانون بدأت تستعيد هيبتها بالفعل… لا بالشعارات
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(211)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(417)
المقالات
(368)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(187)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(235)
الرياضة
(103)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(110)
نصوص مسرحية
(1)
أحدث المنشورات
كولومبيا يفوز على أوزبكستان 3-1
2026-06-18
أرشيف
Jun 2026
(31)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
المزيد من محمد مهلهل الياسين
لسنا طرفا في الصراع
2026-03-15

