blog
لسنا طرفا في الصراع

لسنا طرفا في الصراع

2026-03-15
0
4
0
avatar

حُرِّرت من قبل

محمد مهلهل الياسين

لسنا طرفا في الصراع … والحرب الحقيقية اقتصادية
قراءة تاريخية في محاولات جر الخليج إلى صراعات الآخرين

محمد مهلهل الياسين

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الشرق الاوسط، يعود السؤال ذاته الى الواجهة: لماذا يراد للخليج ان يكون دائما في قلب الصراع، رغم ان دوله لم تكن يوما من صانعي الحروب في المنطقة؟

ان دول الخليج، وعلى راسها الكويت، لم تبن سياستها على منطق المواجهة او التوسع، بل على منطق الاستقرار والتنمية وبناء الاقتصاد. ومع ذلك فان موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية جعلاها دائما في مركز الحسابات الدولية، حيث تتحول المنطقة في اوقات الازمات الى ورقة ضغط في صراع القوى الكبرى.

والحقيقة التي يجب ادراكها اليوم ان ما يجري في المنطقة لا يمكن قراءته فقط من زاوية الصراع العسكري بين القوى المتواجهة، بل يجب فهمه في سياقه الاوسع، وهو الصراع الاقتصادي الذي غالبا ما يكون الهدف الحقيقي وراء التصعيد العسكري.

النفط… حين اصبح الخليج قلب الاقتصاد العالمي

منذ اكتشاف النفط في الخليج في بدايات القرن العشرين، تغيرت مكانة المنطقة في السياسة الدولية. لم يعد الخليج مجرد مساحة جغرافية، بل اصبح شريانا رئيسيا للطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

فالدول الصناعية الكبرى ادركت مبكرا ان امن الطاقة مرتبط ارتباطا مباشرا باستقرار هذه المنطقة. ولهذا اصبحت التوترات في الخليج لا تقرا فقط بوصفها احداثا اقليمية، بل باعتبارها عوامل تؤثر في الاقتصاد العالمي واسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ومن هنا نفهم لماذا يتحول اي تصعيد في الخليج الى قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة.

حرب الناقلات… اول استهداف مباشر للاقتصاد

خلال الحرب العراقية الايرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ظهرت اولى صور استهداف الاقتصاد عبر التصعيد العسكري . فعندما امتدت الحرب الى مياه الخليج، بدأت مرحلة عرفت تاريخيا باسم حرب الناقلات.

لم يكن الهدف من تلك العمليات تحقيق مكاسب عسكرية بقدر ما كان الضغط على صادرات النفط وارباك اسواق الطاقة العالمية. فقد اصبحت ناقلات النفط هدفا مباشرا، وارتفعت المخاطر في الممرات البحرية الحيوية، ما ادى الى اضطرابات كبيرة في سوق النفط العالمي.

كانت تلك الحرب اول نموذج واضح لتحويل الخليج الى ساحة صراع اقتصادي عبر ادوات عسكرية.

غزو الكويت… اخطر محاولة لضرب توازن المنطقة

وفي عام 1990 شهدت المنطقة اخطر محاولة لزعزعة استقرار الخليج عندما اقدم النظام العراقي السابق على غزو دولة الكويت. لم يكن ذلك مجرد نزاع سياسي، بل كان حدثا هز التوازن الاقتصادي والسياسي في المنطقة والعالم.

فلو استمر الاحتلال آنذاك، لكانت السيطرة على نسبة كبيرة من احتياطات النفط العالمية قد اصبحت بيد طرف واحد، وهو ما كان سيغير معادلات الاقتصاد العالمي بشكل جذري.

لقد اثبت تحرير الكويت ان امن الخليج ليس قضية محلية فقط، بل قضية دولية ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي.

مضيق هرمز… شريان الاقتصاد العالمي

اليوم لا يزال مضيق هرمز يمثل احد اهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. ولهذا فان اي تهديد للملاحة في هذا المضيق يتحول مباشرة الى ازمة اقتصادية دولية.

ان التوترات التي تظهر بين حين واخر في هذه المنطقة ليست مجرد رسائل عسكرية، بل غالبا ما تكون رسائل اقتصادية تؤثر في اسعار الطاقة وفي استقرار الاسواق العالمية.

الحروب الحديثة… الاقتصاد في قلب المعركة

في عالم اليوم لم تعد الحروب تدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل اصبحت ادوات الصراع اكثر تعقيدا، وتشمل الضغوط الاقتصادية والعقوبات المالية والحروب الاعلامية والتاثير في الاسواق العالمية.

ولهذا فان اي محاولة لجر دول الخليج الى مواجهة بين قوى دولية او اقليمية يجب ان تقرا ايضا من زاوية تاثيرها في الاقتصاد، وليس فقط في ميزان القوة العسكرية.

فارباك اسواق الطاقة او تهديد طرق التجارة العالمية قد يكون هدفا بحد ذاته في صراعات القوى الكبرى.

الخليج… خيار التنمية لا الصراع

رغم كل هذه التحديات، حافظت دول الخليج على نهج سياسي يقوم على الاستقرار والتنمية. فقد ركزت هذه الدول على بناء اقتصاد قوي وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستثمارات وتطوير البنية التحتية، بدلا من الانجرار الى صراعات الاخرين.

ولهذا اصبح الخليج اليوم احد اهم المراكز الاقتصادية في العالم، ومصدرا رئيسيا للطاقة والاستثمار والاستقرار.

مسؤولية المجتمع في زمن الازمات

وفي اوقات التوتر، لا تقل الحرب الاعلامية خطورة عن الحرب العسكرية. فالشائعات والتحليلات غير الدقيقة قد تثير القلق وتؤثر في الاستقرار الداخلي.

ومن هنا تاتي مسؤولية الوعي المجتمعي في التعامل مع الاخبار بحذر، والاعتماد على المصادر الرسمية والمعلومات الموثوقة، وعدم الانجرار وراء التحليلات غير المختصة التي قد تربك الراي العام.

بالنهاية 


ان التاريخ يثبت ان دول الخليج لم تكن يوما من صانعي الصراعات في المنطقة، لكنها كثيرا ما وجدت نفسها في قلب التوترات الدولية بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها الاقتصادية.

ولهذا فان الحكمة السياسية اليوم تقتضي التمسك بمبدأ واضح:
لسنا طرفا في الصراع ولن نكون ساحة لحروب الاخرين.

فالحرب التي قد تبدو عسكرية في ظاهرها قد تكون في حقيقتها حربا على الاقتصاد والاستقرار.

وحماية الخليج اليوم لا تعني فقط حماية حدوده، بل حماية اقتصاده واستقراره ووحدته.


حفظ الله خليجنا وشعوبنا وقيادتنا

الوسوم

    مقالات مشابهة