blog
الرقة… حين يكون اللين شجاعة

الرقة… حين يكون اللين شجاعة

2025-05-27
0
3
0
avatar

حُرِّرت من قبل

عبدالله ابورشيد



الرقة ليست زخرفًا لغويًا ولا لباقة صوتية ، وليست مجرد نظرات هادئة أو كلمات منسابة . إنها أعظم من كل ما يُرى ويُسمع . إنها رهافة داخلية ، تنبع من نُبل الطبع ، وسماحة القلب ، وصدق الشعور. الرقة ليست ضعفًا كما يتوهم البعض ، بل هي منتهى القوة حين تتحوّل القوة إلى حكمة ، وحين يُصبح الترفّق خيارًا لا عجزًا

الرقة أن تظل نقيًا في عالمٍ ملوّث ، أن تعفو رغم قدرتك على الرد ، أن تفتح صدرك بدل أن تغلقه على الضيق ، أن تمد يدك بدل أن ترفع صوتك . الرقة هي أن تمضي وسط صخب الحياة محتفظًا بصفاء قلبك ، أن تُجيد الإنصات حين يعجز الآخر عن التعبير، وتُجيد الصمت حين يصبح الصوت طاغيًا لا يُثمر

وفي خضم هذا العالم المزدحم بالعلاقات والمواقف ، لا تكمن الحاجة إلى الرقة فقط في المجالس العائلية والاجتماعات الاجتماعية والمناسبات العملية ، بل تتجلّى ضرورتها في أحد أنبل الحقول : مجال الحوار والمعرفة. فالرقة في الخطاب ، خاصة حين يتعلق الأمر بالنقاشات الفكرية ، ليست ترفًا بل خلقًا أصيلًا ، يحفظ للعلم مكانته وللعقول احترامها

ليس من الرقة — بل من التكبر المقنّع — أن نُلبس آراءنا ثوبًا فلسفيًا متعاليًا ، يوحي للمحاور بأنه أقل شأنًا أو فهمًا. فكم من متحدث ، امتلك من المفردات ما زيّنه بالهيبة ، لكنه غرق في غرور معرفي جعله يسقط في هاوية الجهل المركّب ، تحت تأثير وهم “أنا الأعلم” 

الرقة المعرفية أن تُنصت قبل أن تُجيب ، أن تُقنع لا أن تُقصي ، أن تشرح لا أن تسخر. رصيدنا المعرفي ، مهما عَظُم ، لا يمنحنا تفوقًا على الآخرين ، بل يحمّلنا مسؤولية التواضع ، ويُحتم علينا أن نُحسن اختيار لغتنا حين نخاطب الناس 

ما نكتبه بلغة وجدانية ، ناعمة ، لا ينبغي أن نُخاطب به الناس بذات الأسلوب إن لم يكن ملائمًا لمقامهم . فالرقة ليست فقط في الحروف ، بل في الحكمة الكامنة خلف كل حرف . أن تقول ما يجب ، كما يجب ، لمن يجب . أن تُطعّم الحق باللطف ، وأن توصل المعرفة دون أن تجرح 

الرقة بطولة … لأن أنقى الأرواح هي من تختار الجمال في ردّها على القبح ، والسلام في ردّها على الضيق ، والاتزان في وجه التوتر 
هي زهرة تنمو في صخر، لا لأن الأرض لانت ، بل لأن الجذر أبى أن يتخلى عن طبيعته 

ووسط هذا الحديث ، لا أنسى صديقًا قديمًا …
رجلٌ كنت أكنّ له الاحترام ، وقد جمعتني به جلسة عابرة تحت ظلال بستان هادئ ، كما لو أن المكان اختير بعناية ليشهد لحظة صدق لا تُنسى 

قال لي بصوت خافت، كأنما يحدث نفسه :
“يا أبا علي ، مررت بوقتٍ كنت فيه بعيدًا عن الرقة … كنت أقرأ كثيرًا ، أملأ رأسي بالمعرفة ، وأنفخ صدري بها حتى أصبحت ثقيلة . كان داخلي شيء يقول في كل نقاش : أنا الأعلم ، أنا الأفهم ، أنا من لا يُهزم ”

كلماته لم تكن اعترافًا فحسب ، بل كانت شهادة ميلاد جديدة 
شهادة رجل انتصر على غطرسة الفكر، وتعلّم أن الرقة لا تتعارض مع الموسوعية ، وأن سعة الاطلاع لا تكتمل إلا برحابة الصدر، وأن أعظم من نطق بالحقيقة ، هو من فعلها دون أن يجرح ، دون أن يتباهى ، دون أن يُلغي 

اليوم ، أنظر إليه فأراه من أرقّ من قابلت 
يُحاور بأدب ، يصغي بصبر، لا يقاطع ، لا يُسفّه ، لا يرفع صوته . ليس لأنه قلّ علمًا ، بل لأنه عظُم وعيًا 

لقد أدرك متأخرًا، لكنه أدرك ، أن العلم بلا تواضع سُمّ ، وأن المعرفة التي لا تلين ، لا تُثمر 
وأن الرقة … ليست زينة المحادثات ، بل روحها 

فلنحمل في قلوبنا رقة لا تُستفز، وعلماً لا يتكبّر، ووجدانًا لا يجف . فالرقة ليست مجرد أسلوب ، إنها اختيار أخلاقي … وموقف إنساني نبيل 

الوسوم

    مقالات مشابهة