الرقة… حين يكون اللين شجاعة
حُرِّرت من قبل
عبدالله ابورشيد
الرقة ليست زخرفًا لغويًا ولا لباقة صوتية ، وليست مجرد نظرات هادئة أو كلمات منسابة . إنها أعظم من كل ما يُرى ويُسمع . إنها رهافة داخلية ، تنبع من نُبل الطبع ، وسماحة القلب ، وصدق الشعور. الرقة ليست ضعفًا كما يتوهم البعض ، بل هي منتهى القوة حين تتحوّل القوة إلى حكمة ، وحين يُصبح الترفّق خيارًا لا عجزًا
الرقة أن تظل نقيًا في عالمٍ ملوّث ، أن تعفو رغم قدرتك على الرد ، أن تفتح صدرك بدل أن تغلقه على الضيق ، أن تمد يدك بدل أن ترفع صوتك . الرقة هي أن تمضي وسط صخب الحياة محتفظًا بصفاء قلبك ، أن تُجيد الإنصات حين يعجز الآخر عن التعبير، وتُجيد الصمت حين يصبح الصوت طاغيًا لا يُثمر
وفي خضم هذا العالم المزدحم بالعلاقات والمواقف ، لا تكمن الحاجة إلى الرقة فقط في المجالس العائلية والاجتماعات الاجتماعية والمناسبات العملية ، بل تتجلّى ضرورتها في أحد أنبل الحقول : مجال الحوار والمعرفة. فالرقة في الخطاب ، خاصة حين يتعلق الأمر بالنقاشات الفكرية ، ليست ترفًا بل خلقًا أصيلًا ، يحفظ للعلم مكانته وللعقول احترامها
ليس من الرقة — بل من التكبر المقنّع — أن نُلبس آراءنا ثوبًا فلسفيًا متعاليًا ، يوحي للمحاور بأنه أقل شأنًا أو فهمًا. فكم من متحدث ، امتلك من المفردات ما زيّنه بالهيبة ، لكنه غرق في غرور معرفي جعله يسقط في هاوية الجهل المركّب ، تحت تأثير وهم “أنا الأعلم”
الرقة المعرفية أن تُنصت قبل أن تُجيب ، أن تُقنع لا أن تُقصي ، أن تشرح لا أن تسخر. رصيدنا المعرفي ، مهما عَظُم ، لا يمنحنا تفوقًا على الآخرين ، بل يحمّلنا مسؤولية التواضع ، ويُحتم علينا أن نُحسن اختيار لغتنا حين نخاطب الناس
ما نكتبه بلغة وجدانية ، ناعمة ، لا ينبغي أن نُخاطب به الناس بذات الأسلوب إن لم يكن ملائمًا لمقامهم . فالرقة ليست فقط في الحروف ، بل في الحكمة الكامنة خلف كل حرف . أن تقول ما يجب ، كما يجب ، لمن يجب . أن تُطعّم الحق باللطف ، وأن توصل المعرفة دون أن تجرح
الرقة بطولة … لأن أنقى الأرواح هي من تختار الجمال في ردّها على القبح ، والسلام في ردّها على الضيق ، والاتزان في وجه التوتر
هي زهرة تنمو في صخر، لا لأن الأرض لانت ، بل لأن الجذر أبى أن يتخلى عن طبيعته
ووسط هذا الحديث ، لا أنسى صديقًا قديمًا …
رجلٌ كنت أكنّ له الاحترام ، وقد جمعتني به جلسة عابرة تحت ظلال بستان هادئ ، كما لو أن المكان اختير بعناية ليشهد لحظة صدق لا تُنسى
قال لي بصوت خافت، كأنما يحدث نفسه :
“يا أبا علي ، مررت بوقتٍ كنت فيه بعيدًا عن الرقة … كنت أقرأ كثيرًا ، أملأ رأسي بالمعرفة ، وأنفخ صدري بها حتى أصبحت ثقيلة . كان داخلي شيء يقول في كل نقاش : أنا الأعلم ، أنا الأفهم ، أنا من لا يُهزم ”
كلماته لم تكن اعترافًا فحسب ، بل كانت شهادة ميلاد جديدة
شهادة رجل انتصر على غطرسة الفكر، وتعلّم أن الرقة لا تتعارض مع الموسوعية ، وأن سعة الاطلاع لا تكتمل إلا برحابة الصدر، وأن أعظم من نطق بالحقيقة ، هو من فعلها دون أن يجرح ، دون أن يتباهى ، دون أن يُلغي
اليوم ، أنظر إليه فأراه من أرقّ من قابلت
يُحاور بأدب ، يصغي بصبر، لا يقاطع ، لا يُسفّه ، لا يرفع صوته . ليس لأنه قلّ علمًا ، بل لأنه عظُم وعيًا
لقد أدرك متأخرًا، لكنه أدرك ، أن العلم بلا تواضع سُمّ ، وأن المعرفة التي لا تلين ، لا تُثمر
وأن الرقة … ليست زينة المحادثات ، بل روحها
فلنحمل في قلوبنا رقة لا تُستفز، وعلماً لا يتكبّر، ووجدانًا لا يجف . فالرقة ليست مجرد أسلوب ، إنها اختيار أخلاقي … وموقف إنساني نبيل
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(209)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(416)
المقالات
(367)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.2k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(186)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(234)
الرياضة
(99)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(107)
نصوص مسرحية
(1)
أحدث المنشورات
حفلة على الخازوق
2026-06-15عمليات التجميل ضرورة او ترف
2026-06-14
أرشيف
Jun 2026
(14)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)

