blog
حين أهملت الأسرة فانهار البناء… وحين بدأ الإصلاح بدأ الصراخ

حين أهملت الأسرة فانهار البناء… وحين بدأ الإصلاح بدأ الصراخ

2025-11-28
0
2
0
avatar

حُرِّرت من قبل

محمد مهلهل الياسين




من مواد الدستور إلى واقع مغاير تمامًا

لم يُغفل الدستور الكويتي الأسرة والنشء، بل وضعهما في صدارة البناء الوطني
ففي المادة (9)، قرر بوضوح أنّ الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق وحب الوطن.

وفي المادة (10)، حمّل الدولة مسؤولية رعاية النشء، وحمايته من الإهمال والاستغلال، وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاته.

هذه النصوص لم تكن شعرًا دستوريا ولا زينة لغوية، بل كانت خارطة طريق لبناء الدولة الحديثة.
لكن ما حدث في الواقع على مدى عقود — وخاصة خلال العشرين سنة الماضية — كان ابتعادًا متعمّدًا عن هذه المبادئ.
شغلت الساحة السياسية بالصراع، بالتخوين، بالمزايدات، وبمحاولات تسجيل النقاط، بينما أُهمل أهم ملف في الدولة: الأسرة والنشء.



المرحلة الأولى: الفراغ الذي صنع فوضى المجتمع

حين تُترك الأسرة بدون دعم تشريعي أو تربوي أو رقابي، فإنّ المجتمع كله يبدأ بالاهتزاز.
وخلال العقدين الماضيين، حدث بالضبط ما حذّر منه الدستور:
غياب القدوات الحقيقية… وظهور قدوات وهمية.

في ظلّ تراجع الدور التربوي، وضعف الرقابة، وسطحية الخطاب العام، تمدّد فراغ كبير دخلت منه موجة المشاهير ومشهورات السوشيال ميديا، ومن أطلقن على أنفسهن “مدربات حياة” و”خبيرات طاقة” و”مستشارات علاقات”.

وللإنصاف، نعم… ليس الجميع، ولكن الغالبية ممن تصدروا المشهد كانوا أدوات هدم أكثر من كونهم أدوات بناء:
نشروا التفاهة بدل العلم،
روّجوا للسطحية بدل القيم،
كرّسوا الاستعراض بدل الأخلاق،
صدّروا الوهم بدل القدوة،
جعلوا الشهرة هدفًا… والوطن تفصيلًا صغيرًا في طريق الصعود.

تغيّرت مفاهيم الأحلام والطموح عند جيل كامل.
أصبح المقياس عدد المتابعين… لا حجم الإنجاز.
وأصبح الرمز من يرقص أمام الكاميرا… لا من يبني فكرة أو مشروعًا أو قيمة.

وهنا السؤال الأخطر — الذي لا يريد البعض سماعه:
من يقف وراء هؤلاء؟ من يدعمهم؟ من يفتح لهم أبواب الشهرة بلا ضوابط؟ من يحميهم؟ من يموّلهم؟ ومن جعلهم “قدوات” دون أن يقدموا شيئًا للوطن؟


المرحلة الثانية: انفجار الأضرار في المجتمع

حين يختفي المربي، ويتراجع المعلم، وتنشغل السياسة بالصراع، وتظهر القدوات المزيفة…
فإنّ المجتمع يدفع الثمن.

وقد دفعنا ثمنًا كبيرًا:
تذبذب في القيم،
انحدار في الذوق العام،
هشاشة في الهوية،
تفكك أسري،
انتشار ظواهر منحرفة،
فقدان لغة الانتماء ،
وتضخم أدوار المؤثرين على حساب المؤسسات.

والأسوأ أنّ كل ذلك جرى في ظل صمت تشريعي أو تأجيل متكرر لقوانين كان يُفترض أن تأتي قبل سنوات طويلة.



المرحلة الثالثة: حين بدأت الدولة الإصلاح… بدأ الصراخ

بعد كل هذا التراكم، بدأت الدولة تتحرك أخيرًا نحو إصلاحات تشريعية جادة تمسّ العمق الاجتماعي:

قانون المخدرات وتشديد العقوبات ورفع مستوى الردع.

قانون الأحوال الشخصية وإعادة ضبط العلاقة بين أفراد الأسرة، وتقليل النزاعات، وحماية الأطفال والنساء.

قانون المرور للحد من الفوضى والتهور وإعادة هيبة الطريق.

قانون احتكار الأراضي الفضاء لمحاربة الاحتكار وفتح الباب أمام عدالة إسكانية حقيقية.

هذه القوانين ليست كمالية ولا سياسية، بل هي استجابة متأخرة لواقع ملتهب.

ورغم أنها جاءت لحماية المجتمع…
ورغم أنها تُعيد للدولة دورها الطبيعي…
إلا أنّ الهجوم عليها جاء من كل اتجاه:

من يجهل القانون،
من يرفض الانضباط،
من تضررت مصالحه،
من يخشى الشفافية،
ومن يتخذ العاطفة وسيلة لرفض أي تغيير.

بعضهم يهاجم القانون قبل أن يقرأه،
وبعضهم يتداول الشائعات كأنها حقائق،
وبعضهم يرى الإصلاح تهديدًا لمكاسبه الخاصة.


المرحلة الرابعة: معركة التسويق أهم من معركة التشريع

القانون الجيد لا يكفي
والمشرع الجيد لا يكفي
والإصلاح الجيد لا يكفي

إذا لم يُصاحب ذلك تسويق واع، مبسّط، موجّه للناس بلغة يفهمونها.

نحتاج إلى حملات تشرح:

لماذا شُددت عقوبات المخدرات؟

كيف يحمي قانون الأحوال الشخصية الأسرة ويقلل الطلاق؟

لماذا أصبح المرور مسألة حياة أو موت؟

كيف ستساهم مكافحة الاحتكار العقاري في تخفيف أزمة السكن؟

ولماذا يجب دعم هذه القوانين بدل مهاجمتها؟

الوعي العام ليس ترفا… بل ضرورة لإكمال مسار الإصلاح.
فبدون فهم المجتمع، يتحول القانون إلى مادة للمزايدة، ويستغلّه بعض المؤثرين لتحقيق مشاهدات أو بث الشائعات.


خلاصة المقال: إصلاح الدولة بدأ… ومن يهاجمه إنما يهاجم مصلحة المجتمع

لقد تحمل هذا الوطن الكثير:

تحمل سنوات من الفوضى،
تحمل عبث القدوات الزائفة،
تحمل صراع السياسة،
وتحمل غياب التشريعات الحاسمة.

واليوم، حين بدأت عجلة الإصلاح تتحرك، يجب أن يقف المجتمع أمام نفسه ويسأل:
هل نريد دولة قانون… أم دولة ترند؟
هل نريد مجتمعًا متماسكًا. أم فوضى مستمرة؟

الأسرة ليست ملفا  ثانويا، بل هي أمن قومي.
والنشء ليس تفصيلا، بل هو مصير الكويت.
والقانون ليس أداة للخصومة… بل هو أداة للبقاء.

وأي مسؤول أو مشرّع لا يعترف بهذه الحقيقة…
إنما يخذل الدستور قبل أن يخذل المجتمع.

الكويت لن تبنى بالأصوات العالية… ولا بالشهرة… ولا بالاتهامات.
الكويت تبنى بقانون عادل، وقدوة صالحة، ومجتمع واع وإصلاح لا يتراجع أمام الضجيج.

وإن لم نواصل هذا المسار…
فإنّ القادم سيكون أثقل وأقسى،
وسندفع ثمن السنوات الماضية مرتين

الوسوم

    مقالات مشابهة