blog
لماذا عاش الفساد طويلا رغم القوانين … ولماذا يختنق اليوم

لماذا عاش الفساد طويلا رغم القوانين … ولماذا يختنق اليوم

2026-02-02
0
2
0
avatar

حُرِّرت من قبل

محمد مهلهل الياسين

لماذا عاش الفساد طويلا رغم القوانين … ولماذا يختنق اليوم

من عقود نظامية بلا جدوى ، وسلطات تقديرية بلا ضوابط،
الى اجراءات رقابية اغلقت المساحات الرمادية وجففت منابع الاستنزاف

محمد مهلهل الياسين

لم يكن الفساد في مراحله السابقة ممارسة فجة او سلوكا مكشوفا. لم يكن يقتحم الابواب، بل كان يدخل بهدوء، يجلس خلف المكاتب، يوقع العقود، ويمضي بلا اثر مباشر. في تلك المرحلة لم يكن السؤال الحقيقي هل توجد قوانين، فالنصوص كانت قائمة، بل لماذا لا تعمل حين يجب ان تعمل، ولمصلحة من يتم تعطيلها او تحييدها.

كانت الجهات الرقابية موجودة، والتقارير ترفع بانتظام، وخطاب حماية المال العام يتكرر في كل مناسبة. ومع ذلك تعثرت المشاريع، تضخمت التكاليف، واتخذت قرارات مصيرية دون مساءلة حقيقية. لم يكن الفساد صاخبا، بل كان منظما، يعمل داخل الاطار الاداري، ويتغذى على اتساع السلطة التقديرية، وعلى التردد في تحويل الملاحظات الرقابية الى اجراءات حاسمة.

ما جرى لم يكن حوادث فردية او اخطاء عابرة، بل نمطا اداريا تكرر في اكثر من قطاع. عقد يبرم على عجل ثم يعدل مرات عدة . مشروع يسلم متأخرا دون تفعيل جزاءات. خصخصة تطرح كشعار اصلاحي لكنها تدار بعقلية النفوذ لا الكفاءة. ومع الوقت تحولت السلطة التقديرية من اداة تنظيمية الى مساحة رمادية تبتلع القرار كله، وتحجب المسؤولية خلف عناوين واسعة.

في احد القطاعات الخدمية الكبرى، طرح مشروع تطوير وتشغيل وقدم بوصفه نقلة نوعية في مستوى الخدمة. الدراسة الاولية كانت مختصرة، والمدة الزمنية ضاغطة، والقرار صدر تحت عنوان الاستعجال لمصلحة المرفق العام. بدا المشهد منضبطا شكليا، لكنه سرعان ما كشف خللا بنيويا في طريقة اتخاذ القرار.

ما ان وقع العقد حتى بدأت التعديلات. ملحق اول بحجة تغير المتطلبات، ثم ملحق ثان بسبب ظروف طارئة، ثم تمديد زمني دون جزاءات تذكر. ومع كل تعديل كانت الكلفة ترتفع، حتى تجاوزت التقدير الاصلي بفارق كبير، بينما بقي مستوى الخدمة دون الوعود التي سوق لها المشروع. لم يكن الخلل في بند واحد، بل في مسار كامل سمح بتآكل المال العام خطوة بعد اخرى.

وعندما طرحت الاسئلة، كان الرد جاهزا: العقد ابرم وفق القانون، الخصخصة خيار استراتيجي، والقرار سيادي. لم يكن هناك اختلاس مباشر او توقيع فاضح يمكن الامساك به، لكن المال العام كان يستنزف ببطء عبر سلسلة قرارات محمية بمسميات ادارية واسعة، تفرغ المساءلة من مضمونها وتحول الرقابة الى مجرد تسجيل لاحق.

تقارير ديوان المحاسبة سجلت ملاحظات واضحة تتعلق بضعف دراسات الجدوى، وقصور متابعة الاداء، وغياب مؤشرات قياس حقيقية، وعدم تفعيل الجزاءات التعاقدية. كما ابدت هيئة مكافحة الفساد نزاهة ملاحظات حول تضارب مصالح محتمل وتوسع غير مبرر في السلطة التقديرية. غير ان المشكلة لم تكن في وضوح الملاحظات، بل في تجاهلها، وفي انتقائية التعامل معها، وفي غياب القرار الاداري الشجاع القادر على وقف النزيف.

وفي قطاع مختلف تماما، لا يرتبط بالمشاريع الانشائية ولا بالخدمات المباشرة، بل بملفات تشغيل ودعم فني، كان المشهد اكثر هدوءا واشد خطورة. عقد تشغيل سنوي يتجدد تلقائيا بذريعة استمرارية العمل وعدم تعطيل المرفق. هذا النموذج، رغم بساطته الظاهرية، كان من اكثر النماذج استنزافا للمال العام.

في الاوراق بدا كل شيء منضبطا. في الواقع لم تكن مؤشرات الاداء تقاس فعليا، ولم تفعل الجزاءات، واستمر التجديد بذات الملاحظات وبذات المبررات. صيغت مؤشرات الاداء بعبارات عامة فضفاضة، ورفعت التقارير من الجهة المشغلة نفسها، واعتمدت دون تدقيق مستقل. كانت لجان الاستلام شكلية، تعتمد سلامة الورق لا سلامة الاثر، واتسعت السلطة التقديرية حتى اصبح التمديد قرارا اداريا لا يخضع لتقييم موضوعي.

لم يكن هناك اختلاس مباشر في هذا النموذج ايضا، لكن كان هناك استنزاف صامت للمال العام. كبر الفساد لانه عاش في منطقة رمادية، لا يرقى الى جريمة واضحة، ولا يواجه بمحاسبة حاسمة، ولا يغلق بقرار اداري حاسم. وحين تصبح المخالفة بلا ثمن، تتحول الى سلوك، ثم الى ثقافة ادارية صامتة يصعب اقتلاعها.

ثم تغير المشهد. لم يات التغيير بخطاب حاد او شعارات مرتفعة، بل بسلسلة اجراءات عملية. اعيد فتح الملفات لا بدافع الاستعراض، بل بدافع التصحيح. انتقل السؤال من الاشخاص الى القرارات، ومن الشكل الى الاثر. ربط التمديد بالجزاء، واخضعت الخصخصة والتشغيل لمعايير اداء قابلة للقياس، لا لعبارات عامة او مبررات ادارية.

في القصتين معا تغير المسار. لم يعد السؤال هل العقد نظامي هو الاهم، بل هل العقد مفيد، وهل حقق قيمة مضافة، وهل التزم بمؤشرات الاداء المتفق عليها. تحولت المؤشرات من وصفية الى رقمية، وفصل التقييم عن التشغيل، وربط التجديد بالاثر الفعلي لا بالاعتبارات الشكلية.

الجديد اليوم ليس كثرة القضايا او العناوين، بل اغلاق البيئة التي سمحت بالخلل. تقليص المساحات الرمادية، ضبط السلطة التقديرية، تحويل الرقابة من لاحقة الى وقائية، وربط القرار بالاثر لا بالمنصب. هنا بدأ الفساد يختنق، لا لانه اعلن عدوا، بل لان البيئة التي كان يعيش فيها لم تعد موجودة.

في السابق كان الفساد يعيش بين السطور، واليوم تغلق السطور نفسها. في السابق كانت المحاسبة انتقائية، واليوم تمارس بتجرد. في السابق كانت الرقابة تسجل، واليوم تصحح وتمنع.

الفساد لم يكن قدرا محتوما، بل خيارا سمح له بالتمدد. وما يحدث اليوم ليس استثناء، بل عودة الى الاصل: ان يكون المال العام امانة، والمنصب تكليفا، والخصخصة وسيلة لا غطاء، والقانون ميزانا لا يميل. وحين تجفف منابع الفساد، لا يحتاج الامر الى ضجيج. يكفي ان لا يجد مكانا يعيش فيه.

الوسوم

    مقالات مشابهة