( مهدي ) يافقيداً لا يعوض
حُرِّرت من قبل
الكابتن موسى بهبهاني

يُخيّم الموت على الطرقات كالشبح المتربص ، يخطف أرواح شبابٍ بعمر الزهور ، مشاهدات مروعة تزيد من آلامنا ، وتلك الحوادث باتت جزءاً من يومياتنا ،مع كلّ خبر وفاة شاب أو فتاة تتجدد الاحزان ونُعيد إحياء آلامنا المكبوتة في قلوبنا
و السبب إهمال مسئول عن أداء واجبه ، وجهل سائق شاحنة تابعة للبلدية بالقوانين المرورية ،و عدم إتباع إرشادات الأمن والسلامة فى أعمال الطرقات ،و جشع مقاول
بسبب جهل واستهتار السائق المتهور تمكن من اغتيال أحلامى في لحظة، ولا زلت لا أصدق حتى الآن اني فقدت ولدي ( مهدي ) ، فقدت الحلم الذى كنت أتمني تحقيقه لولدي ، كنت أراقبه وهو يكبر امامي لحظة بلحظة طيلة عشرون عاما متتالية ، كان متفوقاً في دراسته في كل المراحل التعليمية ، حتي أبتعث للدراسة الجامعية في الخارج
لم اصدق بأننى لن اراه مرة ثانية ، ولولا الايمان بالله وقضائه ما كنت لأحيا إلى اليوم ،
وأتمنى ألا يتعرض أي انسان لتلك التجربة المريرة
فقيدي ليس فردا دفن .. فقيدي كوكبا قد فُقِد
رحلت يا ولدي ( مهدي ) تاركاً غصّة لأسرتك ومحبيك وأصدقاءك ، والله فجعتني بموتك ، وعزائي بأنك تركت الأثر الطيب والعمل الحسن الذي يذّكرهم فيك كل من عرفك، فعلا - كم الحياة رخيصة إلى درجة أن اتفه الأسباب قد تكون سببا في موت إنسان
عادةً ما تتداول الرسائل من حي الي حي ، وانا اكتبها من حي متألم مشتاق الى ميت لم يزل حياً في فؤادي
ولدي ( مهدي )
عامٌ ثقيلٌ قد مضى ، عانيت فيه كثيرا” على فراقك ، مرت الأيام والساعات واللحظات ببطء كبير ، لم أتخلي عن التواصل معك خلالها ، ففي كل يوم كنت أشتاق لك ، أشتاق لرؤيتك ، والحديث معك ، أشتاق لأكون بقرب قلبك النقي
ولدي ( مهدي ) فقدك كان أشد إيلامًا عليّ من فقدي للدنيا ، فقد انفطر قلبي وتغيرت طباعي ، وانهمرت الدموع من عينيّ بغزارة ، وبقيت انا فيها اعاني من ألم الفراق والحنين والشوق اليك ، دائماً اختلس الأوقات لسماع صوتك من خلال الرسائل الصوتية والفيديوهات المسجلة في جهاز التلفون ورؤية صورك أيضا
-راقبتك وانت صغير ، بدأً من صور السونار قبل ولادتك ، وحتي يوم وفاتك ،فكنت تكبر امام عيني رضيعاً وطفلا وشابا يافعا حتى مضيت ورحلت لأرحم الراحمين ، وتركتني وانا كسير القلب
- عامٌ صعبٌ قد مضى على فقدك يا ولدي ( مهدي ) من دون أن أعلم أني سأفقدك في تلك الليلة - وبعد تلك الأحاديث الممتعة التي كنا نتناقش فيها ، وهي أحاديث كانت مختلفة ومتنوعة ، حيث كنا نجادل بعضنا بعضا ونتصارع معاً كعادتي مع أبنائي ، تتخللها تلك الضحكات الممتعة على مواقف عديدة كنا قد مررنا بها في تلك الليلة الأخيرة والتي جمعتنا معاً ، افترقنا ونحن أحياء ، وبعد مرور دقائق قليلة استقبلتك ممددا على السرير وأنت نائم بهدوء في نومتك الأبدية ، جسدا بلا روح ، أناديك وأنت لا تجيب ، لا زلت غير مصدق بأنك قد رحلت عني فجأة وبلا مقدمات ، هكذا هي الحياة ، سفر نسير فيه ولا نعلم متى ينتهي هذا السفر ليسترد بعدها الله أمانته ، فالموت هو الحقيقة المطلقة في الحياة وكل نفس ذائقة الموت وهو المصير الذي يسير إليه كل البشر
لا زلت أتساءل أي فقدان أصعب ؟؟ أهو فقد الوالدين أو فقد الأخوة أو فقد الأزواج أم فقد الأبناء ؟
-ولقد مرت بي جميع أنواع فقد الأحبة ، فقد فقدت الوالدين والإخوة وأبناء الإخوة والإبن ، كل ذلك كان موجعاً ومؤلماً ، أما فقدك يا ولدي ( مهدي ) فقد كان أمراً آخر لم أكن أتوقعه أبداً ، كنت أتوقع أن أغادر هذه الدنيا الفانية لتقوم انت وإخوتك بتشيعي وإقامة مراسم العزاء عليّ ، ولم أكن أتوقع مطلقاً أبداً أن أفقدك يا فلذة كبدي لأقوم بتشيعك أنا وإقامة مراسم العزاء عليك !!
-آه ثم آه ثم آه يا ولدي العزيز - كم الألم موجع لفراقك والمصاب جلل ، فوالله لن ننساك ، ولم تغب عني صورتك ولا أحاديثك ولا ضحكاتك ، فأنت في قلبي وعقلي وأنفاسي ، قال لي البعض بأنني كنت متماسكاً ولم يصيبني الاكتئاب ولا الإنهيار العصبي ، فوالله هم مخطؤون ، فقد تمكن اليأس مني وشعرت بالضعف ، كنت أبكي بعيداً عن أعين الناس وبعيداً عن إخوتك ووالدتك ، غرفتك لم تنطفئ أنوارها منذ رحيلك فهي الملجأ لتذكرك والملاذ الوحيد للإختباء عن أعين الكل
لم يتمكن الموت من انتزاع محبتك من قلوبنا ، والفراق لم يتمكن من محو ذكراك من عقولنا ، فانت معنا دائماً حياً بفكرنا و بقلوبنا ، نتذكر كل كلماتك بكل تفاصيلها ، فوالله لم ننساك أبدا وشوقنا لك يتزايد يوما بعد يوم منذ ان غادرتنا
- ولدي ( مهدي ) كم يؤلمني بأن أكتب كلمة المرحوم قبل اسمك ، وأعلم بأن الحزن في قلبي شعلة لا تنطفئ ، ولكن الحياة لا بد ان تستمر وأحاول بأن أتعايش معها من دونك ، وأقول لنفسي بأنك لا تزال مبتعثاً للخارج لإستكمال دراستك
- أقود السيارة وأتوجه الى موقع الحادث في المكان الذي لفظت فيه أنفاسك الطاهرة ، وانتقلت روحك الطيبة إلى أرحم الراحمين ، اخفف السرعة وأقرأ سورة الفاتحة على روحك الطيبة ، وأتخيل ما مررت به من لحظات صعبة ، كيف كنت في ذلك الوقت ؟؟ وماذا كنت ستقول ؟؟ هل تألمت ؟؟ هل كنت خائفاً ؟؟ الأفكار تبحر بي بعيداً عن الساحل ، إن الموت حقٌ على الإنسان ، إنه الأقسى والأصعب والأفجع على النفس ، ولا يبقى سوى تذكُر الذكريات التي كانت تجمعنا معاً والدعاء لك
-وكذلك أتردد على مدرستك الابتدائية والثانوية أقترب من براد ماء السبيل المكتوب عليه اسمك ( المرحوم مهدي ) امتزجت فيني مشاعر الفرح والحزن في آنٍ واحد ، الحزن على فراقك ، والفرح على وجودك بمشاهدتي لإسمك مخلداً على براد ماء السبيل في عالم الاحياء
- عندما أصلي مع الأحفاد وبعد الإنتهاء من أداء الفريضة ، نقرأ معاً سورة الفاتحة ونهدي ثوابها إلى أرواح من فقدناهم من أهل وأحبة ، أفرح عندما أسمع الصغار يدعون لك بقولهم ( يا رب خالي مهدي يرجع بالسلامة ) ؟؟
وأبكي عندما أعلم بأن تلك الأمنية لن تتحقق !! فحقاً يا فقيدي انا أتألم كثيراً ، أبكي عندما أكون بعيداً عن أعين الجميع ،فكيف أنساك وأنت ولدي وصديقي وشريكي بالسفر مررنا بعدة مواقف لا تنسي
لا يزول ألم الفُقد حتى وإن مرّت السنون ، لكِن أجر الصابرين عظيم ، اللهم اشتقت لولدي شوقاً تعلمه أنت ويجهله عِبادك اللهُم أرحمه واجمعني به في جناتك
اللهم أنزل سكينتك على قلب كل أم وأب وإخوة فقدوا ابناً او ابنة ، فوالله الألم موجع والفراق متعب ، رحم الله روحاً لم أستوعب رحيلها حتىٰ هذه اللحظة
فأصعب وجع في الدنيا هو وجع الفراق - كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام - فراق الأحبة أشد من الموت - وعندما يسيطر علينا فكرة غياب الميت واختفائه فجأة ، وإستحالة عودة الي الدنيا مرة أخري ، فالعقل في هذه اللحظة يقف عاجزاً أمام هذا الغياب الطويل ، فلا شىء أصعب من فقدان عزيز ، ووالله إن قلوبنا لتحزن ، وعيوننا لتدمع ، وإنا على فراق أحبتنا لمحزونون ، ولا نملك لهم أمام قضاء الله إلا الدعاء ، اللهم أغفر لمن عشنا معهم أجمل السنين ، وهزنا إليهم الشوق والحنين ، اللهم أرحم من حن لهم الفؤاد ، وإشتاقت لهم النفس ، وافتقدهم المكان ،
رحم الله نفوسا أتعبنا وأرهقنا رحليها ، رحم الله أرواحاً لا تعوض ولا تولد مرة أخري ، رحم الله ضحكات لا تنسي ، وملامح لا تغيب عن البال ، وحديثاً اشتقنا لسماعه ، اللهم أرحم تلك القلوب التي طالما احببناها
صدرٌ يضيقُ وزفرةٌ لا تتعبُ
وخواطرٌ بالدمع ســراً تُكتَبُ
وعلى المحيّا فاض بعضُ توجعي
غالبته ، فإذا به لا يُغلَبُ ..
ويزيدني ألماً عتابُ أحبتي
جهلا بما تخفي الضلوعُ وتَحجُبُ
والله مطلعٌ على ما أشتكي
وإليه من همي ألوذ وأرغبُ
فالموت من قدر الله الذي يقضي بها على عباده ، ولا نقول إلاّ ما يرضي المولي عز وجل ، إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(222)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(435)
المقالات
(383)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(13)
رئيس التحرير
(37)
التربية والتعليم العالي
(216)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(44)
الإقتصاد
(252)
الرياضة
(132)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(176)
نصوص مسرحية
(17)
صحف ومجلات
(14)
صور
(34)
أحدث المنشورات
الخلايا الجذعية
2026-08-13
أرشيف
Aug 2026
(54)
Jul 2026
(170)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
المزيد من الكابتن موسى بهبهاني
إنا نقّص عليك أحسن القصص
2026-08-09ملحمة الخلود
2026-08-02ماحكم الاستعجال ؟؟
2026-07-26

