blog
وصبر على المقدور

وصبر على المقدور

2022-11-27
0
8
0
avatar

حُرِّرت من قبل

الكابتن موسى بهبهاني



يقول الله تعالى في كتابه المجيد :
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ & أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }

-إن الصَّبر يمثل القيمة الإنسانية التي ترتفع بالإنسان إلى مواقع ينال فيها رضى الله، فالمولي عزّ وجلّ يريد للإنسان أن يكون قوياً أمام التحدّيات وان لا يسقط امام اي أزمة يتعرض لها، بل المطلوب أن يكون صلباً متوازناً فالصبر من الإيمان

قد يملك الانسان الكثير من الأموال والخيرات العديدة ، وقد تكون حياته مستقرة بنعم الله عليه ، سواء من ذرية أو جاه أو منصب أو مال ومع ذلك قد يواجه من الابتلاءات والأزمات الكثير ، وقد ينزل به مكروه في ماله وأهله وولده ، فلا طريق أمامه سوى السيطرة على مشاعره وسلوكه ، والتصرف بعقلانية تجعله محطّ رضا الله ، فيكون العبد الصابر الشاكر الواثق بربّه ورحمته ، والمسلّم لقضائه تسليم الموقنين بعفوه ورحمته
 -المولى عز وجل خلق (الموت والحياة ) ليبلوكم وكذلك ليمتحن عباده ففي ساحة الابتلاءات يكون الإختبار الحقيقي للانسان.

وأكثر من يتعرض للبلاء هم الأنبياء فهم لنا اسوة حسنة ، ورحمة الله سبحانه متوقفة على الصبر والاستغفار ، والله يحب الصابرين والمستغفرين

-نزلت آيات عديدة تقص علينا صبر انبياء الله المرسلين عليهم السلام .

<< وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ  .. >>

- هذه الاية تتكلم عن نبي الله أَيُّوبَ (عليه السلام) ،فإنها  تشير بصورة خفيّة إلى الإبتلاءات الشديدة التي لا تطاق، وإلى الألم والعذاب الذي مسّه .

-( أَيُّوبَ ) كان نموذجاً حيّاً للصبر والإستقامة ، وذلك لتعطي للموحدين الى يوم القيامة درساً في مقاومة مشاكل وصعاب الحياة، كما وضّحت العاقبة المحمودة للصبر والصابرين

فكان نبي الله مثال الصبر وهو قدوة نقتدي بها ، ويضرب الله المثل فى صبر أيوب للإنسانية جمعاء وفى جميع الديانات فهو مثال الصبر الجميل

-منّ الله على ( ايوب ) عليه السلام  بكل الخيرات ، كان يملك أموالا كثيرة ،و مزارع وبساتين ،وكذلك مواشي وابل ،و رزقه الله بالبنين زينة الحياة الدنيا، ذُكِر بان ابناءه ٨ ذكور و ٨ اناث وكان شاكراً لله صبحاً ومساءا وكان (عليه السلام) ملاذاًَ وملجأً للناس جميعاً وبيته قبلة للفقراء لما علموا عنه أنه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيئاً، ولا يطيق أن يرى فقيراً بائساً ،هكذا عاش أَيُّوبَ (عليه السلام) شاكرا لله ، يدعو الناس إلى الخير وينهاهم عن الشر ، ينفق ما لديه على الفقراء والمساكين وبلغ كرمه ( عليه السلام ) انه يطعم الفقراء والمحتاجين قبل أن يتناول طعامه .

إلى أن جاءه الامتحان الإلهي، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ، وواجه عليه السلام هذا الابتلاء بالصبر العظيم، والرضا الكبير وعدم الجزع والهلع والغضب والسخط.
وكان الشياطين يصعدون الى السماء ليتجسسوا ويسترقوا السمع من السماوات فى ذلك الزمان ،ثم منعوا من الصعود عند ولادة النبي المصطفي محمد صلي الله عليه وآله وسلم كرامة له، وان حاولوا الصعود تصيبهم شهبٌ من السماء فتحرقهم .

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ* إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ * 

-وكان الملائكة يتباهون بعبدالله ايوب وعبادته واستغفاره وشكره لله ، مما اثار الحسد فى ابليس لعنه الله ،فقال لله ان ايوب يواضب على الشكر والاستغفار بسبب النعم والرخاء الذي هو فيه ، فلو حرمته منها لما شكرك ابداً ،وقال سلطني عليه و على ابناءه وامواله وستري بانه لن يصبر ولن يشكر نعمك ابداً عند البلاء . 
فأجاز له الله ذلك ولكن لم يجز له التسلط على عقله وقلبه .

-وهنا بدأ الشيطان بالقضاء على المزارع والماشية والالباب ،وبذلك فقد ايوب ثروته ومع ذلك ظل شاكراً وحامداً لله ، فتسلط الشيطان على ابناءه وماتوا جميعاً، ( هناك من يفقد ابناً فيجزع عليه ) ومع ذلك البلاء والمصيبة الكبرى ظل شاكراً وحامداً و مستغفراً للمولي عز وجل ، فتسلط الشيطان على بدن ايوب واصابه الكثير من القروح ولم يعد قادراً على الحركة ومع ذلك ظل شاكراً وحامداً لله

 وكانت زوجته ( رحمة ) صابرة معه، أهَّلها الله لأن تكون الزوجة التقية النقية القادرة على تحمل الابتلاء في الزوج والمال والولد.

فما شكت وما جزعت وما قطعت العبادة ، راضية بما قدره الله لها ، إنها الصابرة العفيفة الخدومة التي اهتمت بزوجها طوال فترة مرضه ،وكانت تذهب الى المدينة لتعمل فى المنازل لتوفر طعاما لزوجها وبعد فترة لم يسمحوا لها بالعمل خوفاً من نقل العدوي اليهم ؟؟

فقالت له زوجته لو دعوت الله لاستجاب لك فالله يقبل دعوة انبياءه . 
فقال لها كم لبثنا فى الرخاء ؟
فقالت ٧٠ عاماً .
فقال : ويحك كنت بالرخاء ٧٠ عاماً الا اصبر مثلها .

وبقي بذلك الوضع لمدة ١٨ عاما وهو صابر واثقاً من الله، مطمئناً بقضاء الله وقدره، مستعلياً على الألم، مترفعاً على الشكوى. 

-وفى يوم ذهبت زوجته لاحضار الطعام فلم تملك المال ولا العمل ،فوجدت رجلاً قدم لها الطعام مقابل الحصول على ضفيرة من شعرها، فقبلت ، وذهبت الى ايوب ولما رأها تأثر كثيراً ،
فنظر أَيُّوبَ إلى السماء وقال :

“ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ “

وهنا، أضيء المكان بنور شفاف جميل وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة، ورأى أَيُّوبَ ملَكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول: نعم العبد أنت يا أَيُّوبَ إن الله يقرئك السلام ويقول: لقد أُجيبت دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين.
اضرب برجلك الأرض واغتسل في النبع البارد واشرب منه تبرأ بإذن الله. فضرب الارض برجله اليمني فانفجرت نبعاً اغتسل به ،وضرب برجله اليسري فانفجرت نبعاً شرب منه فعادت له عافيته وشبابه .

“ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ* وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَة منّا وَذِكْرَى لأوْلِي الألْبَاب* وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ “

- ارجع الله له ابناءه ال ١٦ ورزقه بمثلهم رحمة من عنده .

* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ *

في النهاية خرج أَيُّوبَ (عليه السلام) سالماً من الإمتحان الإلهي، ونزلت الرحمة الإلهيّة عليه .


-اوضحت لنا هذه القصة نقاط عديدة مهمة ، 
ان شروط الرحمة مقترنة بالشكر والحمد في الرخاء والبلاء ،والصبر في مواجهة الصعاب عند البلاء وان الفوز والنصر متوقف على ذلك.

والذي يلفت النظر في الآية أنّ إعادة النعم الإلهيّة على أَيُّوبَ تحدّد بأمرين:

الأوّل: «رَحْمَةً مِّنَّا» وفي الحقيقة إنّها مكافأة وجائزة من الباريء عزّ وجلّ لعبده الصابر المقاوم أَيُّوبَ.

والثاني: أن تكون في ذلك ذكرى لأولي الألباب أي إعطاء درس لكلّ أصحاب العقول والفكر على طول التأريخ لأخذ العبر من أَيُّوبَ، كي لا يفقدوا صبرهم وتحمّلهم عند تعرّضهم للمشاكل والحوادث الصعبة، وأن لا ييأسوا من رحمة الله، بل يزدادوا أملاً وتعلّقاً به.

ومن الواضح أنّ دعاء أَيُّوبَ الباريء عزّ وجلً وطلبه دفع الوساوس الشيطانية عنه، ورفع البلاء والمرض عنه، ومداومته على ( الشكر والاستغفار  ) تكون نتيجته أن العبد إذا كان دائما شاكراً مستغفراً، فلا يزال الخير يتضاعف له، والشر يندفع عنه"

‏"فالعبد عليه أن يشكرالله ويحمده دائما على كل حال ويستغفر من ذنوبه .
‏فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم .
‏ولا يقضي الله على مؤمن قضاء إلا كان خيرا له .

-ان هذه القصّة أكدت مرّة اُخرى حقيقة أنّ فقدان الإمكانات الماديّة، ونزول المصائب، وحلول المشاكل والفقر، لا تعني عدم شمول الإنسان بلطف الباريء عزّ وجلّ، بل على العكس هي وسيلة لبلوغ المراتب السامية ، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): 

“ إنّ في الجنّة منزلة لا يبلغها عبد إلاّ باجتياز  الابتلاءات “

-اللهم أسبغ علينا صبراً وأجعل الصبر يغشانا، إن المحن والابتلاءات التي تصيبنا كثيرة



اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمد لله رب العالمين .

الوسوم

    مقالات مشابهة