blog
"سائح في موطنه "

"سائح في موطنه "

2025-11-16
0
5
0
avatar

حُرِّرت من قبل

الإعلامية والكاتبة سهام عبدالله.



رواية
"سائح في موطنه "

الفصل الثامن:

"المجاملات في المجتمع 
الموريتاني… عادةٌ أم قناع؟"

كانت سهام تمضي في رحلتها  
داخل وطنها كما يمضي السائح 
بين تضاريس غريبة على عينيه، 
لكنها محفورة في ذاكرته. 

وكانت تظن أنها تعرف الناس 
وتفاصيل عاداتهم، غير أنّ الأيام 
كانت تكشف لها أن للمجاملات 
وجهاً آخر، أكبر من أن يُسمّى لطفاً، 
وأعمق من أن يكون مجرد عادة… 
إنّه قناعٌ يفرضه المجتمع 
ليخفي عيوبه، ويجمّل اضطرابه، 
ويدفن الحقيقة في ركام الأعذار.

في صباح حارّ من أيام نواكشوط، 
مرّت سهام قرب أحد الأسواق، 
فوقعت عيناها على شاب يصرخ 
بصوت يمزّق السكون. 
كان 
يشخط في وجه صاحب محل 
صغير، يلقي عليه الكلمات 
القبيحة بفظاظة كأنما اقتلعها 
من صدره اقتلاعاً.

توقعت سهام أن ترى الناس 
ينهرونه أو ينصحونه ، لكن 
ما أدهشها هو أنهم كانوا …



   تحليل نقدي للنص

 

 

Italian Trulli

 

 

بقلم : إبراهيم المنسي – مملكة البحرين

يقدّم النص فصلًا مميزًا من رواية «سائح في موطنه» للإعلامية والكاتبة سهام عبدالله، ويعكس قدرة سردية واعية تشتغل على تفكيك ظاهرة اجتماعية راسخة في المجتمع الموريتاني، وهي ظاهرة المجاملات التي تتجاوز اللطف لتتحول إلى قناعٍ يخفي الحقائق.

أولًا: البنية السردية واللغة

اعتمدت الكاتبة على سرد تأملي، يتأرجح بين الملاحظة المباشرة والتحليل النفسي والاجتماعي. اللغة سلسة، مشحونة بصور بصرية دقيقة، مثل:

“كما يمضي السائح بين تضاريس غريبة على عينيه، لكنها محفورة في ذاكرته.”

وهذه الجملة وحدها تُظهر توتر الشخصية بين المألوف والغريب، بين انتمائها للوطن وشعورها باغتراب داخله.

ثانيًا: معالجة الظاهرة الاجتماعية


تعتمد الشاعرة على صور متشابكة بين الفضاء والداخل الإنساني:

تجتاح قلبي عنوة : تشبيه العلاقة باقتحام مفاجئ، يعمّق معنى الفوضى العاطفية.

وتسيح أحيانًا بكل مجرة : صورة كونية تعبّر عن تشتت الطرف الآخر، وكأنه ينتمي لعوالم لا يمكن الإمساك بها.

لكنّك كالغائب: مفارقة توضح التناقض بين الحضور الشكلي والغياب العاطفي.

هذه الصور تمنح النص طابعًا دراميًا لطيفًا، يجعل القارئ يتنقل بين اتساع الكون وضيق القلب في اللحظة ذاتها.

ثالثًا: البناء الإيقاعي

النص يتمتع بروح إيقاعية داخلية واضحة، مبنية على:

التوازي في الجمل

تكرار الأفعال بصيغة الأمر (غادر، دع، لا تعبثن)

الجمل المتتابعة التي تصعد تدريجيًا نحو الذروة الانفعالية في البيت الأخير

النص ليس موزونًا بالكامل، لكنه يعتمد على موسيقى داخلية نابعة من التوتر المتنامي.

رابعًا: الثيمة الأساسية

المحور الرئيس للنص هو كسر اليقين.
الشاعرة تواجه إنسانًا متقلّبًا، لا يمنح إجابة، ولا يمنح ثباتًا.
فتطرح الأسئلة التي لا تجد لها نهاية
هل هو فراغ؟ هروب؟ خوف؟ ضعف؟
وهنا يتجلى العمق الحقيقي للنص: إنه محاولة لفهم ما لا يمكن فهمه.

خامسًا: النهاية وانبثاق القوة

في البيت الأخير، يتضح التحوّل
بعد طول انتظار، ووجع، وأسئلة
تختار الشاعرة الانفصال الهادئ

اذهب تنحّى نائيًا عن كوكبي

هذه العبارة ليست رفضًا عابرًا، بل إعلان سيادة للذات
عودة إلى مركز الحضور
انتصار للكرامة الشعرية قبل العاطفية.

خلاصة التحليل 

النص قطعة وجدانية ناضجة، تكشف عن حساسية الشاعرة وقدرتها على تحويل القلق العاطفي إلى لغة نابضة، وصور واسعة، وصوت داخلي يصرخ بصمت.
هو نص يمزج بين الضعف الإنساني والقوة، بين الانكسار والقرار…
وفيه يتجلى بوضوح أن القلب حين يتألم يكتب أصدق شعره.

الوسوم

    مقالات مشابهة