blog
اختفاء المسؤولية الوطنية… حين يتحول الرأي الى فوضى

اختفاء المسؤولية الوطنية… حين يتحول الرأي الى فوضى

2026-03-07
0
3
0
avatar

Written By

محمد مهلهل الياسين

اختفاء المسؤولية الوطنية… حين يتحول الرأي الى فوضى

محمد مهلهل الياسين

لم تعد الازمة في نقص المعلومات، بل في فيض من الكلام بلا مسؤولية. في زمن المنصات المفتوحة، لم يعد الخبر ينتظر التحقق، ولم يعد الرأي يحتاج الى معرفة، ولم تعد المعلومة تمر عبر ميزان التدقيق قبل ان تصل الى الناس. اصبح الكل يتحدث، والكل يفتي، لا من واقع خبرة او اختصاص، بل من تكهنات عابرة وتحليلات سطحية تبنى على الشائعات وتسوق كأنها حقائق.

هنا تحديدا يتجلى اختفاء المسؤولية الوطنية.

المسؤولية الوطنية لا تعني الصمت، ولا مصادرة الرأي، بل تعني ان تزن الكلمة قبل نشرها، وان تدرك ان الحديث في القضايا العامة ليس لعبة لغوية، بل موقف قد يزعزع ثقة مجتمع بأكمله. فالكلمة في اوقات التوتر قد تطمئن، وقد تقلق، وقد تربك، وقد تشعل موجة من البلبلة لا يمكن السيطرة عليها.

حرية الرأي مكفولة دستوريا، وهي من ركائز الدولة الحديثة، لكنها ليست ترخيصا لبث الذعر او تضليل الناس. الفرق شاسع بين نقد مبني على معلومة موثوقة وتحليل مهني، وبين خطاب انفعالي يغذي القلق ويربك الشارع. الوطن لا يدار بالترند، ولا تبنى الدول على مقاطع عابرة وتحليلات مرتجلة.

الاخطر من ذلك هو الافتاء بلا اختصاص. حين يتحدث غير المختص في الشأن العسكري او الاقتصادي او القانوني وكأنه خبير استراتيجي، فانه لا يسيء الى نفسه فحسب، بل يسهم في تشويه الوعي العام. المعرفة مسؤولية، والجهل حين يلبس ثوب اليقين يصبح خطرا حقيقيا. فالتكهن في القضايا الحساسة قد يضعف المعنويات، ويربك القرار العام، ويخلق صورة مشوشة عن الواقع.

والشائعة بطبيعتها لا تحتاج الى دليل، يكفيها مناخ قابل للتصديق. تبدأ همسا في زاوية، ثم تنتشر كحقيقة مفترضة. وحين تتداول الاخبار المغلوطة دون تحقق، فان اول ما يسقط هو الثقة بين المواطن ومؤسساته. والثقة اذا تآكلت لا تستعاد بسهولة.

في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الاعلام حكرا على المؤسسات، بل اصبح كل فرد منصة قائمة بذاتها. وهذا التحول رغم ايجابياته يضاعف المسؤولية. لم يعد السؤال هل استطيع ان انشر، بل هل يحق لي ان انشر قبل ان اتحقق. هل افهم السياق كاملا قبل ان احلل. هل اضيف وعيا ام ازيد ضجيجا.

المطلوب اليوم ليس تكميم الافواه، بل ترسيخ ثقافة التثبت. العودة الى المصادر الرسمية في الاخبار الحساسة، احترام التخصص، والتفريق بين الرأي والمعلومة، بين التحليل والتخمين. كما ان ادراك اثر الكلمة ضرورة، فقد تشعل قلقا عاما او تطفئه، وقد تعزز الثقة او تقوضها.

المسؤولية الوطنية ليست شعارا يرفع في الازمات، بل سلوكا يمارس عند اول خبر يصل الينا. هي التزام اخلاقي قبل ان تكون موقفا سياسيا، ووعي جماعي قبل ان تكون توجيها رسميا.

فالوطن لا يحتاج الى ضجيج اضافي،
بل يحتاج الى وعي يحميه من الضجيج.

وحين يصبح الكلام مسؤولية،
يعود الوطن اكثر طمأنينة واقوى ثقة بابنائه.
‏حفظ الله دول مجلس التعاون وشعوبها 
🇰🇼🇸🇦🇧🇭🇶🇦🇦🇪🇴🇲

Tags

    Related Articles