blog
بين الأهواء ولغة الأرقام كيف نصنع رأيا عاما واعيا؟

بين الأهواء ولغة الأرقام كيف نصنع رأيا عاما واعيا؟

2026-07-06
0
8
0
avatar

Written By

محمد مهلهل الياسين

 

محمد مهلهل الياسين 

 

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم ساحة مفتوحة للنقاش وتبادل الآراء وفي الوقت ذاته تحولت إلى أحد أبرز مصادر المعلومات لدى شرائح واسعة من المجتمع ورغم ما وفرته من مساحة غير مسبوقة لحرية التعبير فإنها أوجدت تحديا حقيقيا يتمثل في طغيان الرأي الشخصي على الحقيقة والانطباع على الدليل حتى أصبح كثير من النقاشات يدار وفق الأهواء والميول لا وفق الوقائع والأرقام

 

فالإنسان بطبيعته يميل إلى الدفاع عن قناعاته لكن المجتمعات الواعية لا تقيس صحة الآراء بمدى انتشارها أو عدد المؤيدين لها وإنما بمدى استنادها إلى الأدلة والبيانات الموثقة فالرأي قد يكون صائبا أو خاطئا أما الأرقام الصحيحة فهي لغة عالمية لا تعرف المجاملة ولا تنحاز إلى الأشخاص أو الجماعات بل تعكس الواقع كما هو

 

وفي عالم التواصل الاجتماعي أصبحت سرعة النشر تفوق سرعة التحقق وأصبح كثير من المستخدمين يتبنون مواقفهم قبل الاطلاع على الحقائق فتنتشر الشائعات خلال دقائق وتتداول المقاطع المجتزأة وتبنى الأحكام على عناوين مثيرة أو معلومات ناقصة بينما تغيب الدراسات والإحصاءات والتقارير الرسمية عن دائرة الاهتمام رغم أنها الأكثر قدرة على رسم الصورة الحقيقية

 

إن لغة الأرقام ليست مجرد جداول وإحصاءات جامدة بل هي أداة لفهم الواقع واتخاذ القرار السليم فالدول المتقدمة لا تضع سياساتها الاقتصادية أو الصحية أو التعليمية أو الأمنية بناء على الانطباعات وإنما تستند إلى مؤشرات الأداء والدراسات العلمية والإحصاءات الرسمية لأنها الوسيلة الأكثر دقة لتشخيص المشكلات وقياس النتائج

 

كما أن المؤسسات الرقابية والقضائية والإعلام المهني تعتمد على الأدلة والبيانات في تقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين لأن العدالة لا تبنى على الانطباعات بل على الوقائع المثبتة ومن هنا فإن احترام لغة الأرقام لا يعني إلغاء حرية الرأي بل يعني أن يكون الرأي مبنيا على أساس متين لا على العاطفة أو التحيز

 

وفي الكويت كما في غيرها من الدول تصدر الجهات الرسمية بصورة دورية تقارير وإحصاءات تتعلق بالاقتصاد والصحة والتعليم والأمن والمرور والخدمات العامة وهذه البيانات تمثل مرجعا مهما لكل من يريد تقييم الأداء أو طرح النقد أو تقديم الحلول فالنقد المسؤول لا يكتمل إلا إذا استند إلى أرقام صحيحة كما أن الإشادة بالإنجاز لا تكون ذات قيمة إلا إذا دعمتها مؤشرات قابلة للقياس

 

ومن المؤسف أن بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يخلطون بين الشعبية والمصداقية فيظنون أن كثرة المشاهدات أو الإعجابات دليل على صحة المحتوى بينما الواقع يثبت أن المحتوى المثير ينتشر أسرع من المحتوى الدقيق وأن الحقيقة تحتاج أحيانا إلى وقت حتى تصل بينما تنتشر المعلومة الخاطئة كالنار في الهشيم

 

لذلك فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها بل تشمل أيضا كل مستخدم لهذه المنصات فقبل إعادة نشر أي معلومة ينبغي التحقق من مصدرها ومقارنتها بالبيانات الرسمية أو المصادر الموثوقة وعدم الانجراف خلف العناوين المثيرة أو الحملات الموجهة التي تستهدف التأثير في الرأي العام بعيدا عن الحقائق

 

إن بناء مجتمع واع يبدأ ببناء ثقافة تحترم الدليل وتعلي من قيمة المعرفة وتجعل من الأرقام مرجعا للحوار لا خصما للرأي فالرأي الحر قيمة عظيمة لكنه يزداد قوة واحتراما عندما يستند إلى حقائق ثابتة ويضع المصلحة العامة فوق الميول الشخصية

 

وفي الختام فإن الأهواء تتغير بتغير الأشخاص والظروف أما الحقائق المدعومة بالأرقام والبيانات فتبقى ثابتة وقابلة للتحقق ولهذا فإن المجتمعات التي تعتمد لغة الأرقام في النقاش وتخضع الأفكار للبرهان هي الأكثر قدرة على مواجهة الشائعات وصناعة القرار الرشيد وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وبناء رأي عام ناضج يقود إلى التنمية والاستقرار لا إلى الجدل والانقسام

Tags

    Related Articles