التعايش قيمة: هل نقدمها للعالم بنجاح...؟
Written By
يوسف عبدالله البركاتي
بالتحدث عن التعايش... تأتي الآية العظيمة {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} [الحجرات:13]. وكما خلق الله تعالى ثنائية الذكر والأنثى لحفظ النوع البشري بالتزاوج والتناسل، خلق التعددية بين الشعوب والقبائل لتوجيه غاية الانتماء الفردي للإنسان إلى جماعة طبيعية تحميه وتنمي شخصيته.
تؤكد الآية في الواقع على واحدة من أرقى مقاصد الحضارة الإسلامية في بعدها الإنساني، فهي تؤصل معاني التعايش في التواصل والتعارف؛ ذلك أن الإنسان مدني بطبعه... ولكنها مدنيةٌ ترتبط بالسماء على النحو الذي يريده الله.. هبةٌ من الله فهو الذي خلقنا، وهي جَعلٌ من الله؛ فهو الذي جعلنا شعوبًا وقبائل، وقد جاء أمر ربنا -جل في علاه- بالتعارف كونه أمرًا ضروريًّا: لأن سنة الله في الكون جاريةٌ على التعارف كأساس للتعايش. وهذا ما أثبتته الآية الكريمة، أن التعارف مفتاحٌ للعلاقات الإنسانية السليمة. وتشير ضمنا إلى حقيقة أخرى؛ هي أن التعارف يسبق الحوار ويمهد له؛ لهذا أشار عدد من الباحثين إلى أولوية «تعارف الحضارات» قبل القيام بمشروع «حوار الحضارات».
إن عدم التعارف أو غيابه وضعفه يولد لدى كل طرف أشكالاً نمطية مشوهة وغير دقيقة عن الآخر، وفي ظل التنافس والصراعات يتم عادة إحداث عمليات تشويه متعمدة، وإلصاق تهم عدائية ضد الآخر المختلف، وتصيد الأخطاء لديه.. المشكلة الأكبر أن تعريف الآخر لا يتأتى عن طريقه ومن مصادره، أي أنه لا يُعرِّف ذاته بالطريقة التي يريد ويرغب، وإنما يكون التعريف بما يكتبه أو يرسمه عنه غيره، وهذه إشكالية منهجية كبيرة تجعلنا ندور في تصورات لا تقدم لنا معلومات أو صورًا سليمة عن الآخر، تسهم في التعريف به والتواصل معه.
نتوقف قليلًا عند {لتعارفوا}؛ لنستكمل بناء ملامح مهمة في تأسيس ذلك التعارف الإنساني، ففي اللغة: العَرْفُ: الرائحة الطيبة الزكية، فالتعارُف: تفاعُلٌ بين الناس بالمعروف، وبالحسنى فيما هو مستحسن، وهذا التعارف بتوجهه العالمي من خصائص الإسلام؛ فالله -عز وجل- هو {رب العالمين} [الفاتحة: 2]، و{رب الناس} [الناس: 1]، ورسولُ هذا الدين ذاته، -صلى الله عليه وسلم- ما أرسله ربه إلا {رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، وكتابُ هذا الدين {ذكرٌ للعالمين} [ص: 87]، و{ذكرى للعالَمين} [الأنعام: 90].
كل تلك المؤكدات تحدو بنا -كمسلمين وحاملين لنور السماء بين الأمم- أن نكون أحرص الناس على التمسك بأخلاقنا وقيمنا دون غلو أو تفريط، فكل ما نريده هو تقديم نموذج بنّاء عن سلوكياتنا وأفكارنا وهويتنا للآخرين. ففي التاريخ الإسلامي كانت قريش تسمي نفسها الحمس، وتفرض لنفسها حقوقًا وتقاليد ليست لسائر العرب، وكانت الأرض كلها من حول الجزيرة العربية تعج بالعصبيات القائمة على اختلاف الدماء والأجناس وتفاضلها، وبينما كان هذا الواقع سائدًا في الأرض كلها، كان الإسلام يخاطب الفطرة من تحت ركام الواقع، فهي التي تنكر هذا كله ولا توافقه.. حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، والناظر في تاريخ المسلمين يجد أنهم قد حوَّلوا التعارفَ إلى واقع ملموس، وأبرزوه على هيئة سلوك عملي في صورة راقية ونموذج فريد؛ وذلك من خلال المعاملات بصفة عامة، والتجارة بصفة خاصة؛ حيث كان لهذا الأمر دورٌ مهم في نشر الإسلام وفتح أعين الأمم الأخرى عليه، فقد كان المسلم يخرج للتجارة ببضاعته، ومعه أخلاقه وعقيدته وسلوكه المستقيم، فيقوم عبر ذلك بتحقيق التعارف، وإبراز شمولية الإسلام، وعندما يرى الناس منه هذا السلوك وتلك الأخلاق، ومدى التزامه في معاملاته، يدخلون في دين الله فوجًا بعد فوج، ومن هنا تظهر بجلاء روعة حضارة المسلمين في تعاملهم مع غيرهم.
ومن التطبيقات المعاصرة الرائعة في نشر مفهوم التعايش نتوقف عند رسالة قوية حدثت في افتتاح كأس العالم 2022م في قطر؛ حيث كان البدء بتلاوة الآية العظيمة التي يتناولها المقال فرصة ضخمة لنشر هذه القيمة، مربوطة بوحي السماء؛ بكونها مقصدًا قرآنيًّا مهمًّا ومطلبًا حضاريًّا.
موسم الحج (لتعارفوا):
"الحج أقوى عامل لتقارب وتعارف الشعوب الإسلامية في زمن الفرقة المحزنة، الجو العام في الحج هو الأخوة والمساواة " هذا ما قاله علي عزت بيجوفيتش.
تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام أجواء الحج وشعائره المباركة التي تنقي النفوس، وتنير الأفئدة، وتطهر القلوب، وتقوي المعنويات، وتوحد المسلمين على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهذا الاجتماع والتجمع العظيم من ورائه حِكَم جليلة، أراد الله تعالى أن نهتدي إليها، ونقف عليها، فالله تعالى قادر أن يفرض هذا الحج على المقيمين في مكة والمدينة والبلاد القريبة، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك ولم يأمر به، إنما جعل الحج فريضة على كل مسلم قادر على الحج بصرف النظر عن لغته وبلده، قربها أو بعدها من مكة المكرمة...؛ وذلك ليتضح أن التعارف والتآلف والاجتماع والاعتصام هي مقاصد لذاتها ووسائل لما بعدها من التوافق والتعاون والتكامل والانفتاح الإيجابي على الآخر.
ما زال مفهوم التعايش وقيمته بحاجة للعديد من المؤكدات، وبعث المزيد من الرسائل الإعلامية... لقد أصدرت وكالة شؤون المسجد النبوي الشريف بالمملكة العربية سعودية مؤخرًا فيلمًا بعنوان (لتعارفوا)، حظي بأكثر من مليون مشاهدة خلال أول ٢٤ساعة من نشره على حسابها في منصة تويتر.
انتهت مقالتي وما زلنا بحاجة للمزيد...
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(216)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(422)
المقالات
(374)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(208)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(44)
الإقتصاد
(245)
الرياضة
(120)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(135)
نصوص مسرحية
(17)
Recent Posts
البيوت المباركة
2026-07-05
Archives
Jul 2026
(47)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
More From يوسف عبدالله البركاتي
طبيب نحو المستقبل
2024-11-17

