blog
تأملات في شهر الدعاء.. وسؤال الله العفو !

تأملات في شهر الدعاء.. وسؤال الله العفو !

2023-04-19
0
4
0
avatar

Written By

يوسف عبدالله البركاتي



 
العشر الأواخر من رمضان أوقات فاضلة ونفحات ربانية مباركة ، والواجب على المسلم استثمارها واغتنام كل لحظة ونفَس فيها بالطاعات والقربات ، ومع قرب انتهاء شهر رمضان الفضيل ، يتضرع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى الله بالدعاء أملًا في إدراك ليلة القدر، ذلكم أن مواطن الدعاء ، وظمانَّ الإجابة تكثر في هذا الشهر، وفي الليالي العشر منه ، فلا غَرْوَ أن يُكْثِر المسلمون فيه من الدعاء ؛  لأن حقيقة الدعاء إظهار الافتقار إلى الله ، والتبرؤ من الحول والقوة ، وهو سمةُ العبوديةِ ، واستشعارُ الذلةِ البشرية ، وفيه معنى الثناءِ على الله -عز وجل- وإضافة الجود والكرم إليه. ولعل هذا هو السر في ختم آيات الصيام في سورة البقرة بالحثّ على الدعاء ، حيث يقول ربنا -عز وجل-:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
يتناقل المسلمون حول العالم في رمضان خاصة جملا من الدعاء ومقطوعات أدعية سمعية ومرئية مؤثرة ، فقد تناقل العديد من المغردين في منصة التدوين المصغر ( تويتر) دعاء القنوت لإمام الحرم المدني الشيخ عبد المحسن القاسم وهو يجلي أسماء الله الحسنى في جمل من الدعاء والتضرع قدمت نموذجا جديدا لفتت انتباه الداعين والمتضرعين إلى الله في كل مكان وزمان إلى أن هذا اللون من التوحيد والثناء والسؤال في الدعاء، حيث بدأ -بحمد الله- والثناء عليه ثم الصلاة والسلام على الرسول ﷺ ثم دعا الله بمعظم أسمائه الحسنى، مثل قوله: ( يا سبوح ، أنت منزه من كل عيب ونقص ، يا مولى أنت من تتولى أمور خلقك ، اجعلنا ممن توكل عليك فهديته ، واستكفاك فكفيته ، يا صمد يا من تصمد الخلائق إليه فتجيب دعاءها أجب دعاءنا ، يا سيد لك السؤدد والسيادة الكاملة التامة نحن عبيدك اجعل القرآن في قلوبنا...) إلى آخر الدعاء العظيم
عمدة الفضل في رمضان خير الشهور هي ليلة القدر خير ليالي العام ، وعمدة الدعاء في هذه الليلة المباركة كما ورد في الآثار: سؤال اللهِ العفوَ والعافية ، ففي كل عام ومع دخول موسم الليالي العشر الأواخر من رمضان يستحضر الخطباء والوعاظ حديث أمنا عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: ” قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه
إن المتأمل والناظر في سر تعظيم الله لهذه الليلة المباركة التي فاقت حقيقتها حدود الإدراك البشري ، وسؤال عائشة - رضي الله عنها - ، وإِجابة النبي لها بهذه الإجابة ، سيجد مجموعة من الوقفات الممزوجة بين التربوية والإيمانية
وكنت أسأل نفسي: لماذا خص النبي ﷺ ليلة القدر بدعاء: "اللهم إنك عفوٌ تحبُ العفوَ فاعفُ عني " ما السر في هذا الدعاء دون أي دعاء آخر؟.. لماذا لم يعلمنا أن ندعو الله بالفوز بالجنة وبالفردوس الأعلى من الجنة ، ومرافقة النبيين والشهداء والصالحين ، وما أن أشرع في القراءة حتى أجد أن سؤال الله عز وجل العفو في كل وقت وحين أمر مرغوب وردت فيه نصوص كثيرة ، حتى إِنَّ العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ أكثر مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يرشده إلى شيء يدعو الله به ، فأجابه الرسول ﷺ في كل مَرَّةٍ بقوله : «سَلِ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ».. قال شارح الحديث: في أمر النبي ﷺ للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئاً يسأل الله به ، دليل جليٌ بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من الأدعية ، ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام . لأعود إلى البحث من جديد حول الحكمة مِنْ تخصيص هذه الليلة بسؤال العفو؟ فوجدت إجابة رائعة جداً لابن القيم -رحمه الله- يقول فيها: " إذا كنت تدعو وضاق عليك الوقت ، وتزاحمت في قلبك حوائجك ، فاجعل كل دعائك أن يعفو الله عنك ، فإن عفَا عنك أتتك حوائجك من دون مسألة " ثم وجدت تعليقا للحافظ ابن رجب حول هذه الحكمة حين قال: وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر – بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر – لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصر في أداء حق الله جل وعلا. غرد أحد العلماء في يوم السبت ٢٤ رمضان الجاري مبينا السبب في ذلك فقال: عمدة دعاء ليلة القدر الوارد في الآثار: سؤال اللهِ العفوَ والعافية ؛ لافتقار العاملين إلى العافية ليتيسر لهم العمل ، وافتقارهم إلى العفو إذا فرغوا منه ليتقبَّله ربُّهم ويتجاوز عن تقصيرهم ، فبفضله ورحمته عملوا، فعملهم ابتداءً وانتهاءً محفوفٌ بسؤالهما.
​لهذا لا غرو بعد هذه المعاني العظيمة أن يقف خليفة رسول الله سيدنا أبوبكر الصديق على المنبرِ ثمَّ يبكى ويقول: قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الأوَّلِ على المنبرِ ، ثمَّ بَكى فقالَ: سلوا اللَّهَ العفوَ والعافيةَ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعدَ اليقينِ خيرًا منَ العافيةــ رواه الترمذي وصححه الألباني ــ "سَلُوا اللهَ"، أي: اطلُبوا في دُعائِكم مِن اللهِ ، "العفوَ"، أي: مَحْوَ الذُّنوبِ وسَتْرَ العيوبِ ، "والعافيةَ"، أي: السَّلامةَ في الدِّينِ مِن الفِتنةِ ، وفي البَدنِ مِن الأمراضِ ، أو السَّلامةَ في الدُّنيا مِن النَّاسِ وشُرورِهم ، وأن يُعافِيَك اللهُ مِنهم ويُعافِيَهم منك ؛ "فإنَّ أحَدًا لم يُعطَ بعدَ اليَقينِ"، أي : الإيمانِ والبصيرةِ في الدِّينِ "خيرًا مِن العافيةِ"، أي: أفضلَ من أن يُعْطى معه العافيةَ؛ فإنَّه لا يَتِمُّ صلاحُ العبدِ وسعادتُه في الدَّارَينِ إلَّا باليقينِ في اللهِ ، وبالفَوزِ بعفوِه سبحانه ، والعفوُ مِن اللهِ هو العُمْدةُ في الفَوزِ بدارِ المعادِ ، والعافيةُ هي العُمدةُ في صَلاحِ أمورِ الدُّنيا والسَّلامةِ مِن شُرورِها ومِحَنِها ؛ فكان هذا الدُّعاءُ مِن جَوامعِ الدُّعاءِ
وآخر دعوانا اللهم إنك عفو فاعف عنا ...

 

Tags

    Related Articles