حين يساء فهم القانون بين العاطفة والمصلحة العامة
Written By
محمد مهلهل الياسين
في كل مرة تفعل فيها أدوات القانون وتفتح ملفات الفساد، يبرز صوت يصف المحاسبة بالقسوة او يلمح الى انها نوع من الظلم . وغالبا ما ينطلق هذا التصور من زاوية شخصية او عاطفية ، او من قراءة غير مكتملة لمعنى العدالة. لكن الحقيقة التي لا ينبغي ان تغيب هي ان القانون، في جوهره، لا يتحرك بدافع المشاعر ولا ينحاز للأفراد ، بل يقوم على مبدأ ثابت: حماية المصلحة العامة قبل أي اعتبار اخر
قد يبدو تطبيق القانون للبعض قرارا قاسيا، خاصة حين يمس اشخاصا نعرفهم او نتعاطف معهم. الا ان العدالة لا تبنى على العلاقات ولا على القصص الفردية، بل على قواعد واضحة تضمن المساواة بين الجميع. فحين تطبق الانظمة بعدالة، لا يكون الهدف معاقبة اشخاص بعينهم، بل حماية المجتمع من اثار الفوضى وتضارب المصالح.
ان الخلط بين الظلم وتطبيق النظام يعد من ابرز الاشكالات في الخطاب العام. فالظلم الحقيقي لا يحدث عندما يحاسب المخطئ وفق القانون، بل عندما يستثنى شخص من المحاسبة بسبب نفوذ او علاقة او ضغط اجتماعي. وفي هذه اللحظة تحديدا تتراجع ثقة الناس بالمؤسسات، ويشعر الملتزمون بان القواعد لا تطبق على الجميع.
ولعل احد اسباب سوء الفهم تجاه مكافحة الفساد هو ان الاصلاح غالبا ما يكون مؤلما في بدايته. اذ ينهي انماطا من الامتيازات التي اعتاد عليها البعض، ويعيد رسم الحدود بين الحق الشخصي والواجب العام. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اصبح من السهل تحويل اي قضية قانونية الى قصة انسانية مجتزأة، تثير التعاطف لكنها لا تعكس الصورة الكاملة ولا تفاصيل الاجراءات.
المصلحة العامة ليست شعارا نظريا، بل هي اساس بقاء الدولة واستقرارها. فعندما تقدم المصالح الخاصة على حساب النظام، تتحول المؤسسات الى ساحة تنافس غير عادل، وتضيع حقوق الكفاءات، وتضعف هيبة القانون. اما حين يكون الميزان واحدا للجميع، فان المجتمع يربح على المدى البعيد، لان العدالة تصبح واضحة وقابلة للتوقع.
ومن المهم التاكيد ان المحاسبة لا تعني الانتقام. فالقانون يمنح الجميع حق الدفاع ويضمن اجراءات عادلة، لانه يسعى الى تصحيح المسار لا الى التشهير. العدالة الحقيقية هي تلك التي توازن بين حماية المجتمع وصون حقوق الافراد، دون ان تسمح للعاطفة بان تعطل النصوص او تشوه معناها.
اليوم، تقع على عاتق الخطاب الاعلامي والثقافي مسؤولية كبيرة في تعزيز الوعي القانوني، وتوضيح الفرق بين التعاطف الانساني وبين تبرير المخالفة. فالمجتمع الذي يدرك قيمة النظام هو المجتمع الاكثر قدرة على التقدم، لانه يبني ثقته على مؤسسات قوية لا على استثناءات مؤقتة.
في النهاية، قد يرى البعض في قوة القانون صرامة، لكن الحقيقة ان العدالة حين تطبق بانصاف لا تخدم جهة ضد اخرى، بل تحمي الجميع. وعندما تنتصر المصلحة العامة على المصالح الخاصة، لا يخسر المجتمع احدا، بل يكسب دولة اكثر توازنا وعدلا، تدار بقواعد واضحة وتحميها ارادة القانون.
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(211)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(417)
المقالات
(368)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(187)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(235)
الرياضة
(102)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(110)
نصوص مسرحية
(1)
Recent Posts
أبيات للإمام الشافعي
2026-06-17
Archives
Jun 2026
(30)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
More From محمد مهلهل الياسين
لسنا طرفا في الصراع
2026-03-15

