blog
‏طوق النجاة

‏طوق النجاة

2025-06-05
0
2
0
avatar

Written By

الكاتبة ولاء القواسمة

 

‏لم تكن المرّة الأولى ، أعتقد أنها ليست الأخيرة ، ما زال منوال هذا الكابوس المريب يزورها في كل ليلة ، يستيقظ جيرانها على صوت صراخ رهيب ، يقرعون جرس منزلها لعل وعسى أنْ تستيقظ
‏حياتها تخلو من السعادة ، يتدفق البؤس والشقاء مع دمها في الشرايين والأوردة ، "وفاء" والتي تقيم في إحدى قرى العاصمة الأردنية "عمان"، بيتها عبارة عن غرفة واحدة تشقق سقفها ، ومن الممكن انهياره في أي لحظة ، انهارَ أحد جدران الغرفة ، قامت بوضع خزانة الملابس عوضًا عن الجدار المنهار، كان عليها أن تذهب كل يوم إلى عملها مشيًا على الأقدام ؛ لكي توفر ثمن الخبز لها ولأطفالها ذوي الاحتياجات الخاصة ، تعمل مراسلة في إحدى المدارس الخاصة براتب زهيد لا يكفيها لآخر الشهر، إضافة لذلك تتلقى الذل والشتائم من إدارة المدرسة بخنوع واستسلام ، كان عليها تسليم راتبها كله لزوجها الذي لا يعمل كسلاً رغم قدرته على العمل ، وعليها أيضًا أن تطلب إذنًا من أخت زوجها لكي تضع مساحيق التجميل على وجهها ، كانت حقا مسلوبة الحقوق حتى أبسطها ، لم تنجح مساحيق التجميل في إخفاء الحزن والهموم عن ملامحها البريئة ، حدث هذا عام  ٢٠١٢، أذكر جيدا كيف مضى من العمر سنوات وهي تحاول كسب قلب زوجها وأهله دون فائدة
‏وفي يوم من الأيام اعترف لها زوجها بما لم يكن في الحسبان قائلا: تزوجتك يا وفاء فعل خير، شفقة مني وإحسان ؛ لأنك يتيمة الأبوين 
‏حاولت تهدئة وضبط أعصابها لكن دون جدوى ، حملت ما تبقى من كرامتها ، طلبت الانفصال عنه ، جهزت الحقائب ، بدلت ملابسها وملابس أطفالها ، ثم ذهبت إلى منزل أخيها محمود المنفصل عن زوجته ، يقيم مع طفليه أحدهما مصاب بمرض التوحد ، والآخر يعاني من صعوبات في التعلم
‏محمود : أهلا وسهلا بكِ يا وفاء ، ولكن للإقامة عندي شرط
‏وفاء بثقة عمياء : أوافق طبعا دون تردد ، ما هو شرطك يا أخي ؟ 
‏ محمود : وجدتُ عروسًا جديدة ، ولكن ينقصني المال يا أختي الحنونة الطيبة ، يجب أن تسحبي لي قرضًا،
‏أنتِ موظفة ولكن كما ترين أنا لست موظفًا ، هل تقبلي أن أبقى هكذا دون زوجة ؟ ! 
‏وفاء : لا تقلق ، سأسحب لك قرضًا ، المهم أن أراكَ سعيدًا
‏وفي ربيع عام ٢٠١٣، جاءت موظفة القروض لكي تخبرها أنَّ محمود وزوجته رفضوا دفع المبلغ المستحق ، وبما أنها كفيلته يتوجب عليها الدفع بأقصى سرعة ممكنة
‏وفاء : نعم ، لقد استلمت المبلغ وأمضيتُ توقيعي على الورق ، ولكن لم أصرف منه شيئا ، أخي وزوجته هم من قاموا بصرف المبلغ على أمورهم الشخصية 
‏موظفة القروض : أعرف ذلك جيدا يا عزيزتي ، ولكن الإمضاء على الورقة هو توقيعكِ أنتِ ، والقانون لا يحمي المغفلين ، هكذا وقعتي في ورطة كبيرة جدا 
‏وفاء بصوت راجف : ولكن ما ذنب أطفالي ذوي الاحتياجات الخاصة لو كان مصيري السجن وأنا منفصلة عن زوجي ؟ !
‏موظفة القروض : القانون قانون ، يطبق على جميع الناس ، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي  
‏أذكر يومها كيف تشاجر أخوها علي الأصغر من محمود مع أحد أصدقائه ، وضربه بآداة حادة ، حُكِمَ عليه بالسجن ، وأن يتحول راتبه للشخص الذي ضربه  
‏علي : كنت أنوي دفع مبلغ القرض يا وفاء ، ولكن للأسف من بعد هذا الحدث أُغلِقَتْ أمامنا جميع الأبواب 
‏ضاقت الدنيا في وجهها ، شعرت وكأنها شربت كؤوسًا من المرار، بلعت ريقها ، ارتفع ضغطها ، فقدت وعيها ، نقلوها إلى المشفى  
‏تعرفت هناك على " منى" إحدى المريضات ، سردت عليها وفاء قصتها ، أباحت لها عن كل ما في جعبتها  
‏منى : سأعرض مشكلتكِ يا وفاء على بعض الجهات التي أعرفها بشرط أن أرى ابتسامتكِ العريضة 
‏ وفي صباح اليوم التالي عانقت أحلى خبر وقع على مسامعها،
‏فاعلو الخير سيقومون بالتكفل بها ، والعناية بأطفالها ، وتفريج الكُرب التي اقتحمت حياتها
‏ارتاح قلبها ، أخذت نفسًا عميقًا ، تنهدت ، وارتخت عضلاتها المشدودة ، توضأت وصلَّتْ لله ركعتين  
‏ رغم كل هذا ، ما زال الكابوس الغامض يزورها كل ليلة ، ولا أحد يعرف ما هو هذا الكابوس ؟! 

‏✍️: Walaa Qwasmeh 

Tags

    Related Articles