blog
140. رحلة النفس: بين الطفولة والعدم

140. رحلة النفس: بين الطفولة والعدم

2025-04-29
0
3
0
avatar

حُرِّرت من قبل

أ.د علي احمد باقر



في زوايا البيت القديم ، تحت جدرانه المتآكلة ، وقفت أرقب نفسي من بعيد!
كأنّ الزمن قد التوى بي حتى عدت طفلاً لا يتجاوز الرابعة من عمره، ألهو بسيارة صغيرة من البلاستيك المهترئ
كنت أقبض عليها بكل جوارحي كأنها العالم بأسره ، كأن كل ما يمكن أن يُحَب ويُراد قد انكمش داخل قبضة يدي الصغيرة
دخلت أمي إلى الغرفة ، ترتدي حجابها البسيط ، خطواتها المتثاقلة تحمل شيئًا من السكينة المجهولة
وقفت متجهة الى زاوية الغرفة ، ورفعت يديها تكبر الله : "الله أكبر". تعجبتُ من وقفتها ، من خشوعها ، من انصهارها في كيان آخر لا أراه 
دون وعي ، تركت لعبتي ، ووقفت بجانبها أكرر حركاتها ، أرفع يدي ، أركع ، أسجد ، ولا أفهم من الكلمات شيئًا سوى همس خفي يشدني : "بسم الله الرحمن الرحيم"
ثم ، كضربة حلم ، وجدت نفسي في ساحة المدرسة ، قبل طابور الصباح
كرات الزجاج الصغيرة تتطاير بين أيدينا
ضحكات الأطفال كانت نوارس هاربة من مصيرها
دخلت الفصل ، تعلمت حروف العربية ، وقهقهت ببراءة عندما أخطأت في تهجئة كلمة "سماء"
ثم تغير المشهد 
رأيت نفسي ألهو في الفسحة ، أركض نحو أخي في صف آخر، ألوّح له ، وهو يضحك 
بعدها ، كأن العالم قد طوى نفسه ، خرجت من المدرسة لأجد أمي تنتظرني ، تحضنني وترفعني فوق كتفيها. أضحك ، وتلف بنا الدنيا ، ثم ...

خفت الضوء. الهواء صار أثقل . السماء غرقت في سواد كثيف
أرى نفسي مستلقيًا في السرير، وأمي توقظني بحنان للمدرسة 
تمر السنين فجأة ، أنا مراهق في الثانوية ، ورمضان قد أقبل ، أدخل على أمي في المطبخ ، وهي تعدّ طعام الإفطار، ويملأني اندهاش غامض : 
من أنا ؟ ومن هذا الذي يحدق بي من أعماقي ؟
كانت أمي تعد الطعام بيديها الراعشتين، تدندن بدعاءٍ قديم ، يختلط فيه الحنين بالرجاء. همستْ : "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" (إبراهيم: 40) 
نظرتُ إليها ، شعرتُ وكأن الزمن كله قد انحنى فوق رأسها ، لكنه لم يهزمها

تيه الذات
سافرتُ عن أمي ذات يوم 
ودعتها في المطار، قلبي قطعة حجارة مغموسة في دموع مكبوتة 
ثم عادت ، وعاد معها شعور غامض : كنت أراها ، وأرى نفسي ، لكن لم أكن أشعر أنني "أنا" 
كان هناك شيء مفقود
في المدينة الغريبة ، بين وجوه الناس المسرعة ، كنت أبحث عن نفسي 
دخلت الجامعة ، درست ، جلست في مقاعد لا تعرفني ولا أعرفها 
عملت ، كسبت المال ، ولكن كان حبلاً خفيًا يشدني إلى صدى بعيد
كنت أسمع في رأسي صدى قول الحق : "أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم" (الملك: 22
كنت أمشي ، لكني لم أكن سويًا

صراع الروح والجسد والحاضر والماضي
في إحدى ليالي التيه ، تلاقى داخلي الحاضر بالماضي
سمعت نفسي تتجادل مع ذاتي ، الجسد يريد الحياة ، متشبثًا بكل لحظة زائلة ، أما الروح فكانت تبحث عن المطلق ، عن معنى لا يبلى
همست روحي : "لقد جئنا من عالم ليس فيه موت ، فلماذا نرضى أن نكون عبيدًا للفناء ؟"
ورد الجسد بجشع : "لأنني لا أعرف إلا اللذة ، لا أؤمن إلا بما ألمسه وأذوقه "
وكان الماضي ، طفلاً حزينًا يجلس في الزاوية ، يهمس : "لقد كنتُم نقيين ... أما الآن ، فقد بعتم براءتكم بأوهام الكبار "
أما الحاضر، فوقف ساخرًا، يصفق ببطء ، يضحك ضحكة مجنونة : "أنتم تطاردون سرابًا ... كل شيء يمضي ، حتى أنتم!"
تفاقم الصراع حتى شعرت أنني أنقسم إلى أشلاء ، بين أن أكون ما أنا عليه ، أو ما كنت عليه ، أو ما يجب أن أكونه
"ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها" (الشمس: 7-8

ذبح الطفولة أمام الكبر
في حلم كابوسي ، رأيت نفسي في ساحة خربة ، تتوسطها طاولة حجرية عتيقة 
جلس على الطاولة طفل صغير، لم يتجاوز الخامسة ، يحمل في عينيه نور البراءة كلها  
في الجانب الآخر وقف رجل هرِم ، يحمل سكينًا صدئة ، عيناه غارقتان في ظلال الخيبة 
كنت أراقب المشهد عاجزًا 
تقدم الرجل نحو الطفل ، وهو يهمس : "آن أوان النسيان ..."
الطفل لم يقاوم  
رفع يديه الصغيرتين ، كأنه يسلم مصيره 
في لحظة مباغتة ، انغرز السكين في قلب الطفولة 
صرخ الطفل ، صرخة لم يسمعها أحد ، واهتزت السماء فوق رأسي 
تساقطت قطرات الدم فوق الأرض ، لكنها لم تكن دماءً حمراء ، بل كانت نورًا خافتًا يبهت شيئًا فشيئًا 
سقط الطفل ، ومات معه الحلم 
ووقف الرجل الكبير مكانه ، يحدق في الفراغ ، وقد أصبح أكثر فراغًا من أي وقت مضى 
سمعت صوتًا في داخلي يتلو: "أولئك الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون" (الأنعام: 20
لقاء النفس
ثم جاء اليوم 
اجتاحني فيه إعصار لا أعرف من أين جاء ... حملني ، ألقى بي في العدم 
فتحت عيني ، وجدت نفسي أقف على قمة جبل رملي ، الريح تعصف بوجهي ، وأمامي كان يقف "هو" 
نسخة مني ، لكنه أكبر سنًا ، عيناه غارقتان في الحزن ، وثوبه مشقق من كثرة الرحلات 
سألني: "من أنت ؟"
صمتُّ 
سألني ثانية : "من كنت تظن أنك ؟"
لم أجد جوابًا 

شاهد القبر
وحين فتحت عيني ، كنت واقفًا أمام شاهد قبر
كان اسمي مكتوبًا عليه 
فهمت 
كنت ميتًا 
لم يبك علي أحد ... لم يذكرني أحد ... سوى أمي
نعم امي 
سمعت أنينها الخافت ينفذ عبر التراب ، يهمس باسمي ، يردد صلاتها القديمة : "رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" (الإسراء: 24
وفي ظلمة القبر، بقيت عالقًا بين سؤالين لا جواب لهما : 
من كنت ؟ 
ومن كنت أظن أني ؟
اني العبد الذي يطلب رحم الله .... إلهي وسيدي ، ارحمني مصروعا على الفراش ، تقلبني أيدي أحبتي ، وارحمني مطروحا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي ، وارحمني محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي ، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي

الوسوم

    مقالات مشابهة