طوق النجاة
حُرِّرت من قبل
الكاتبة ولاء القواسمة
لم تكن المرّة الأولى ، أعتقد أنها ليست الأخيرة ، ما زال منوال هذا الكابوس المريب يزورها في كل ليلة ، يستيقظ جيرانها على صوت صراخ رهيب ، يقرعون جرس منزلها لعل وعسى أنْ تستيقظ
حياتها تخلو من السعادة ، يتدفق البؤس والشقاء مع دمها في الشرايين والأوردة ، "وفاء" والتي تقيم في إحدى قرى العاصمة الأردنية "عمان"، بيتها عبارة عن غرفة واحدة تشقق سقفها ، ومن الممكن انهياره في أي لحظة ، انهارَ أحد جدران الغرفة ، قامت بوضع خزانة الملابس عوضًا عن الجدار المنهار، كان عليها أن تذهب كل يوم إلى عملها مشيًا على الأقدام ؛ لكي توفر ثمن الخبز لها ولأطفالها ذوي الاحتياجات الخاصة ، تعمل مراسلة في إحدى المدارس الخاصة براتب زهيد لا يكفيها لآخر الشهر، إضافة لذلك تتلقى الذل والشتائم من إدارة المدرسة بخنوع واستسلام ، كان عليها تسليم راتبها كله لزوجها الذي لا يعمل كسلاً رغم قدرته على العمل ، وعليها أيضًا أن تطلب إذنًا من أخت زوجها لكي تضع مساحيق التجميل على وجهها ، كانت حقا مسلوبة الحقوق حتى أبسطها ، لم تنجح مساحيق التجميل في إخفاء الحزن والهموم عن ملامحها البريئة ، حدث هذا عام ٢٠١٢، أذكر جيدا كيف مضى من العمر سنوات وهي تحاول كسب قلب زوجها وأهله دون فائدة
وفي يوم من الأيام اعترف لها زوجها بما لم يكن في الحسبان قائلا: تزوجتك يا وفاء فعل خير، شفقة مني وإحسان ؛ لأنك يتيمة الأبوين
حاولت تهدئة وضبط أعصابها لكن دون جدوى ، حملت ما تبقى من كرامتها ، طلبت الانفصال عنه ، جهزت الحقائب ، بدلت ملابسها وملابس أطفالها ، ثم ذهبت إلى منزل أخيها محمود المنفصل عن زوجته ، يقيم مع طفليه أحدهما مصاب بمرض التوحد ، والآخر يعاني من صعوبات في التعلم
محمود : أهلا وسهلا بكِ يا وفاء ، ولكن للإقامة عندي شرط
وفاء بثقة عمياء : أوافق طبعا دون تردد ، ما هو شرطك يا أخي ؟
محمود : وجدتُ عروسًا جديدة ، ولكن ينقصني المال يا أختي الحنونة الطيبة ، يجب أن تسحبي لي قرضًا،
أنتِ موظفة ولكن كما ترين أنا لست موظفًا ، هل تقبلي أن أبقى هكذا دون زوجة ؟ !
وفاء : لا تقلق ، سأسحب لك قرضًا ، المهم أن أراكَ سعيدًا
وفي ربيع عام ٢٠١٣، جاءت موظفة القروض لكي تخبرها أنَّ محمود وزوجته رفضوا دفع المبلغ المستحق ، وبما أنها كفيلته يتوجب عليها الدفع بأقصى سرعة ممكنة
وفاء : نعم ، لقد استلمت المبلغ وأمضيتُ توقيعي على الورق ، ولكن لم أصرف منه شيئا ، أخي وزوجته هم من قاموا بصرف المبلغ على أمورهم الشخصية
موظفة القروض : أعرف ذلك جيدا يا عزيزتي ، ولكن الإمضاء على الورقة هو توقيعكِ أنتِ ، والقانون لا يحمي المغفلين ، هكذا وقعتي في ورطة كبيرة جدا
وفاء بصوت راجف : ولكن ما ذنب أطفالي ذوي الاحتياجات الخاصة لو كان مصيري السجن وأنا منفصلة عن زوجي ؟ !
موظفة القروض : القانون قانون ، يطبق على جميع الناس ، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي
أذكر يومها كيف تشاجر أخوها علي الأصغر من محمود مع أحد أصدقائه ، وضربه بآداة حادة ، حُكِمَ عليه بالسجن ، وأن يتحول راتبه للشخص الذي ضربه
علي : كنت أنوي دفع مبلغ القرض يا وفاء ، ولكن للأسف من بعد هذا الحدث أُغلِقَتْ أمامنا جميع الأبواب
ضاقت الدنيا في وجهها ، شعرت وكأنها شربت كؤوسًا من المرار، بلعت ريقها ، ارتفع ضغطها ، فقدت وعيها ، نقلوها إلى المشفى
تعرفت هناك على " منى" إحدى المريضات ، سردت عليها وفاء قصتها ، أباحت لها عن كل ما في جعبتها
منى : سأعرض مشكلتكِ يا وفاء على بعض الجهات التي أعرفها بشرط أن أرى ابتسامتكِ العريضة
وفي صباح اليوم التالي عانقت أحلى خبر وقع على مسامعها،
فاعلو الخير سيقومون بالتكفل بها ، والعناية بأطفالها ، وتفريج الكُرب التي اقتحمت حياتها
ارتاح قلبها ، أخذت نفسًا عميقًا ، تنهدت ، وارتخت عضلاتها المشدودة ، توضأت وصلَّتْ لله ركعتين
رغم كل هذا ، ما زال الكابوس الغامض يزورها كل ليلة ، ولا أحد يعرف ما هو هذا الكابوس ؟!
✍️: Walaa Qwasmeh
الوسوم
مقالات مشابهة
التصنيفات
صحة
(211)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(417)
المقالات
(368)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(187)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(235)
الرياضة
(102)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(109)
نصوص مسرحية
(1)
أحدث المنشورات
أبيات للإمام الشافعي
2026-06-17
أرشيف
Jun 2026
(29)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
المزيد من الكاتبة ولاء القواسمة
هل أصبحَ الأدبُ غريبًا ؟
2026-05-16دمعتان من وشم
2025-11-10أصداءُ ما تبقّى
2025-06-04

