blog
يا فقيداً لن ينسي

يا فقيداً لن ينسي

2023-05-14
0
3
0
avatar

حُرِّرت من قبل

الكابتن موسى بهبهاني





قال تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }

في الذكرى السنوية الثانية لفراق و رحيل ولدي ( مهدي )، من قد وصفه الله تعالى بزينة الحياة وجمالها والذي يعتبر قطعة من الفؤاد، رحمك الله يا من بقيت حياً في قلوبنا ،أتنفس حبه وذكراه بأدعيتي كل صباح و مساء

فلا أحد يشعر بمعنى الفراق إلا من سمع كلمة ( عظم الله أجرك ) ، الموت يوجع القلوب ويفجعها فلا أقسى من الفقد أبداً ، فرحم الله من عاش دون أحبته ، فالعيش دون من نحب مؤلم

وصدق امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام )
عندما سأل : أهناك أشد من الموت ؟ 
قال: فراق الأحبة أشد من الموت !

فَكَمْ مِنْ صَحِيحِ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ 
 وَ كَمْ مَنْ سَقِيمٍ عَاشُ حِينًا مِنْ الدَّهْرِ 

وَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى وَأَصْبَحَ ضَاحِكًا 
وَإِكْفَانِهِ فِي الْغَيْبِ تَنْسَجِ وَ هُوَ لا يَدْرِي 

-لم أكن أتوقع يا ولدي بان يأتي ذلك اليوم الذي أبكيك فيه وأذرف الدموع لفراقك، ولا أنّ أتقبل فيك العزاء، بل كنت أنتظر أن تقوم انت بهذا التكليف وتذرف هذه الدموع على فراقي، وأن تأخذ العزاء بعد مماتي، فما أحرقها من دموع على فقدك و فراقك، ذهبت بعيداً عنا منتقلاً الى حياة أخري ، ولكننا نجدك دوماُ حاضراً معنا بروحك المرحة وقلبك الطيب وذكرياتك الجميلة ، فأنت الغائب الحاضر ،كانت لك أمنيات وأحلام تريد أن تحققها في المستقبل ،ولكن الأجل كان سريعاً ، ذهبت وغادرت هذه الدنيا الفانية وتركت لنا وجعاً لن ننساه ، وقد جاء الوقت الذي أنعيك فيه يا فلذة كبدي يا ( مهدي ) 


ففي مثل هذا اليوم من هذا العام صادفت الذكري السنوية الثانية لرحيلك يا ولدي ( مهدي ) من هذه الدنيا الفانية و تزامنت مع  يوم التخرج و نيلك الشهادة الجامعية والذي كنت انتظره طويلاً لنحتفل به معاً .

وبالرغم من اننا نؤمن بالقضاء والقدر الا ان هناك من  الذكريات التي تظل محفورة فى قلوبنا والتي لن تُنسى ، منها المفرح ومنها المحزن ، وخاصةً الاحداث المؤلمة والتي نتذكر أدق تفاصيلها ، وقد عادت بي الذكريات إلى سنوات مضت عندما تخرجت من الثانوية العامة ،فكم فرحنا بتلك المناسبة ، والفرحة كانت اكبر عندما شاهدت طموحك وتطلعك للمستقبل بدءاً من اختيارك لاستكمال دراستك الجامعية فى البعثات الخارجية وانت شاب فى السابعة عشرة من العمر ، وهنا كنا أنا ووالدتك رفيقان وصديقان لك بالسفر ففى السنة الاولي كنا معاً نتناوب على التواجد معك طوال السنة الاولى من دراستك ، وكنت خائفاً عليك فى الغربة الا انني كنت اكتشف فيك صفات الكبار يوماً بعد يوم ،قد أجمع كل من عرفك صغيراً وكبيراً على حسن أخلاقك وطيبة قلبك وابتسامتك التي تبثّ التفاؤل في قلوب الآخرين، فسكنت مشاعرهم حيّا فلم ينسوك ميّتاً.

ولدي مهدي...رحلت وتركت الأثر الطيب والذكرى الجميلة رغم صغر سنك ورحيلك السريع، وأنت في ريعان شبابك

أتذكر اللحظات الأخيرة من لقاءاتنا في تلك الليلة والتي لم نكن نعلم بأنها ستكون لحظات الفراق الأخيرة ، بعثت لي عدة رسائل لا تزال تدوي في عقلي :

-لا تخف علي يا ابي .
-بالرغم من اني في الغربة فانا أعرف ديني ومتمسك به وملتزم بالصلاة والدعاء لله .
-اوعدك بأني سأنال شهادة الدكتوراه وسترفع رأسك مفتخراً بي يا ابي .


هكذا هي الحياة والقضاء والقدر ،  لم تتحقق تلك الاحلام ، وعزائي أني عندما أتذكر هذا الفراق الطويل الذي طال لمدة سنتين والذي أشعر كأنه حدث بالامس القريب ، وكأنك كنت معي طوال هذه المدة ، أتواصل معك وتتواصل معي ولم تغب عن مشاعري لحظة واحدة بالرغم من رحيلك ، فإني أحسُ خلال تلك الفترة بانك قد نلت ما هو افضل من الشهادة العلمية ،فحزت على المحبة والذكر الطيب ، محبة اسرتك وعائلتك واصدقاءك واسرهم الكريمة بل شملت تلك المحبة الغرباء الذين لا يعرفونك وتلك ( المحبة ) هى اكبر من اي شي فى الدنيا ، ومن عرفك فقد عرفك ومن لم يعرفك فقد سمع عنك

-انعم الله على اسرة صديقك ( عيسي ) بمولود ( حفظه الله ) بعد فقدك وسموه بإسمك تيمناً بك ومحبةً و وفاءً لك من صديقك واسرته الكريمة ،و قد ابلغني بتلك البشارة قاصداً بث الفرحة فى قلبي ، وبالفعل فقد فرحت بتسميتهم المولود الجديد باسمك فكل الشكر للأسرة الكريمة . 

قسماً بالله العظيم يا ولدي ( مهدي ) انا افتخر بك فانت نلت ماهو اعظم مما وعدتي به وهي ( محبة ) الناس لك .

واقول كلمة اختم بها كلامي ، لله فيها رضا ولي ولكل اسرة كريمة عبرة ، ان الابناء نعمة من الله تبارك وتعالى وامانات لا نعلم متي ستسترد ،و يجب ان نصون هذه النعمة والامانة ،و لنا فى رسول الرحمة صل الله عليه وآله أسوة حسنة {  و ربوا أبناءهم على الخير والصلاح واجعلوا بيوتهم مدرسة للدين والاخلاق وأغلقوا على الأبناء منافذ الشر وافتحوا منافذ الخير وصاحبوهم وعلموهم ودربوهم حتى يكون الولد مثل أبيه أو أفضل منه } .

و ليكون مصداقاً للمثل المشهور  : 

( اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا ، واعمل لاخرتك كانك تموت غدا ) 

فلا شك باننا ميتون عاجلا ام آجلا ولكن ما يبقى هو العمل الطيب ،والسيرة الصالحة ،والخلق الرفيع ، فمن هذا يجب أن نعرف كيف نؤدي الامانة ونصون النعمة .

يا مهدي... غادرت أسرتك الصغيرة، وذهبت إلى أرحم الراحمين، و تبقى إرادة الله فوق كل شيء ، وليس لنا إلا التسليم بإرادة الله، بعدما استُرِدّت الأمانة، ونرجوا من الله أن نكون قد وفّقنا في التربية الصالحة لولدنا الغالي ( مهدي ) رحمه الله بما يرضي الله .


أيدري القبر من فيهِ؟
‏فيهِ الفؤادُ ومن بالروح أفديهِ
‏لولا الإلهُ وإيمانٌ أدينُ بهِ
‏لكنتُ قُربكَ أشفي ما ألاقيهِ
‏لكنها سنةَ اللهِ التي سَلَفَتْ
‏إن الإلهَ لما قد شاءَ ممضيهِ
‏كم من فواجعٍ شتى قد بُليتُ بها 
‏لكنّ موتكَ لا شي يداريه


 ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )

الوسوم

    مقالات مشابهة