172. مسرحية ظلال المدينة
Written By
أ.د علي احمد باقر

رماد فوق القباب
الآية الافتتاحية: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]
لم تكن المدينة القديمة سوى ساحةٍ من صمتٍ ثقيل؛ قبابٌ مائلة تكتسي رمادًا، أسواقٌ خافتة تتبادل نظراتٍ ازدراء ، وموازين مكسورة تتدلّى مثل ديكور قاتم، كأن كلُّ كفّةٍ منها تحمل اعترافًا لم يُقال.
كان الضوء رماديًا يميل إلى السواد، والهواء يوشوش بأصوات همس بعيدة ووقع سلاسل خافت يمرّ مثل قشعريرة على ظهور المارّين.
في ذلك الفجر الذي بدأ كساعةٍ لا تتحرّك عقاربها، تخثّر في الخلفية صوتٌ يقول: تُباع الأخلاق في المزاد… وتُشترى الصلوات بالذهب… من يوقظ المدينة من نومها الثقيل؟
اقترب عبدالسلام من أحد الموازين المكسورة ولمس طرفه بأصابع كأنها تتلمّس جُرحًا قديمًا... قال بنبرةٍ هادئةٍ لكنها دامية: الميزان لا يخطئ، بل الأيدي المليئة بالجشع…
ردّ عليه رشيد، وهو يحدّق في القباب: يا أخي، إذا انكسر الميزان في القلوب، فكيف نُصلح الموازين في الأسواق؟
قال عبدالسلام: نُضمد الجهل بالعلم ... نعم الضماد
تمتم رشيد: أخشى أن نصير دواءً يرفضه الجسد لكثر قراحاته
عندها عمّق عبدالسلام صوته كمن يضع حجرًا في قاع بئر: إذن نُعيد طبابة الجسد بالمعرفة وننشر العلم.
ثم التفت عبدالسلام إلى الناس، وإلى نفسه، وإلى الطريق المؤدي إلى ما بعد المدينة، وقال:
أقول لكم: تذكّر… تذكّر في كل لحظة تمرّ بها وأنت تسير بين الناس، تضحك، تتألم، تخطئ، وتغفر أنك غريب، نعم، غريب على هذه الأرض... لست منها، ولن تستقر فيها... هي ليست بيتك، بل ممرٌّ موحش نحو المصير... نحو الحساب من قبل ذاك الذي لا يُرى ولا يُنسى... في لحظة ما، حين يشتد الظلام في قلبك، حين تضيق صدرك الذنوب، حين تلتفّ عليك أسئلتك كأفعى ... لا تيأس... لا تيأس من رحمة الله، فإنك ما زلت تُنادى من وراء حُجب السماوات بنداء خفيّ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾... ولا تتجبر... لا تغترّ ببعض نصر أو علم أو مال... كلّ ما بين يديك زائل، وكلّ من حولك إخوة لك في التيه والجهل والرجاء... لا تكن قاسيًا على الخلق، فإنك في لحظة ضعف، قد تحتاج دعاء أحدهم لينقذك من نفسك... أنت تمشي، لكن إلى أين؟
إلى نهاية لا تعرف ملامحها، إلى قبر قد يُفتح لك غدًا، أو ربما الليلة... فهل أعددت قلبك للرحيل؟ ..
هل جعلته خاشعًا لا متجبرًا، متأملًا لا مغترًّا، خائفًا لا قانطًا؟
تذكّر... أنك لا تملك شيئًا إلا نَفَسك، وهذه النفس إما أن تقودك إلى جنون الكبر، أو إلى سكينة العارفين...
في السوق، التقت عينا سمية بعيني قتيبة؛ حيث كان السوقُ يتنفّس ببطء... قالت: السوقُ ليس حاكما، والربحُ لا يُطهِّر الدم...
ابتسم قتيبة بسخريةٍ تحمل بريق السبائك: والعدلُ لا يملأ المخازن
قالت سمية، وقد بدا على صوتها تعبُ القلوب: لكنه يملأ القلوب
في زاويةٍ تتساقط حولها ذرات غبار ماضي قديم، انكفأ سليمان على مرآته... التي ضاق بها وجهه عن صورته، كما سلّطت الإضاءة عليه وحده ، فاخذ يقول : لماذا يُصغي الناسُ لعبدالسلام؟
هل حُرمتُ أنا من حق الانتباه؟
هل حقيقي أنهم أعلمُ مني؟
أنا أنظر إلى مرآتي يوميًا ولا أشاهد بها إلا عالمًا يملؤه الوقار، لكن أحيانًا أرى شظايا ظلٍّ لبقايا إنسانية...
هل عليّ أن أغيّر مرآتي… أم عليّ أن أكسرها وأنطوي على مشاهدة الظل… قبل أن تكشف عورتي!
خرج سليمان إلى الساحة... فلاحظ هالةٌ من نورٍ لطيف تحيط بعبدالسلام وهو يخاطب الناس، فرأى سليمان في نفسه ظلًا أسود ثقيلًا وقال في سره: أنا أرى لعبدالسلام هالةَ النور… كيف ذلك !
في تلك اللحظة، صدح صوت عبدالسلام فوق الشُّرفات:
إخواني وأخواتي الأفاضل، سنخرج من هذه المدينة الظالم أهلها إلى جزيرة قريبة ... نبدأ بها حياة يسودها العدل والخير والمساواة، فلا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي؛ فهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… إخواني وأخواتي… من أراد ميزانًا صحيحًا فليحمل قلبه معنا قبل أن يحمل أمتعته…
ارتفع همس الجوقة مثل موجةٍ تتكسّر على سورٍ متهالك: إلى الجزيرة… إلى الوعد… إلى المجهول... ثم هبط الظلام الداكن
الجزيرة… حين ينبتُ العدلُ شوكًا
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾ [الشمس: 9–10]
كانت الجزيرة بسيطة: سارياتٌ خشبية، ألواحُ قوانين معلّقة، مزرعةٌ صغيرة… ضوءُ فجرٍ يتحوّل تدريجيًا إلى نهارٍ باهت، كأن الشمس تتعلّم المشي من جديد.
علّق عبدالسلام لوحًا أولًا وقال:
لا طبقية، لا احتكار، لا ظلم… الناس سواءٌ أمام الحق.
فابتسم رشيد وأجاب: من اليوم، يُوزَن الخبز بالكرامة قبل الميزان ...
لعب الأطفال وتعلّموا، وكان العلم لا يُباع ، وإنما يُهدى إلى القلوب الندية .... بدا كأن الغمامة السوداء التي كانت تعلو الوجوه في المدينة قد انقشعت ، غير أنّ ظلالًا ثقيلة بدأت تختبئ في الخفاء بعد مغيب شمس الجزيرة
وفي ساعة السكون القاتمة، همس عبدالسلام لربّه كمن يضع جبهته على حجرٍ دافئ: في لحظة سكونٍ قاتمة، حين ترتجف النفس من ثقل ما حولها، وتضيق الأرض بما رحبت، يباغتك ذاك الشعور... أن ثمّة عينًا ترعاك... لا، ليست عينًا بشرية، بل عينٌ الله، عين رحمته وألطافه، تراقبك دون أن تتدخل، لكنها هناك... في كل شيء... في الريح التي تهب على وجهك دون سبب، في نظرة طفلٍ لم يلوّثها الكذب، في انكسارك حين لا أحد يراك، وفي قيامك من نومك رغم أنك لا تدري كيف تغلبت على الموت الأصغر... فتتساءل… إن كانت الرعاية الربانية تحيط بي... فلمَ الخوف؟
ولمَ كل هذا الذنب؟...
وتهمس: يارب، قرّبني، لا بعملي، بل بتقصيري... اجعل استغفاري سلمًا إليك، وصلاتي على محمد وآله طوق نجاةٍ من التيه…
هناك على حافة المزرعة، دفع قتيبة إلى سليمان بكلمةٍ مثل سكينٍ مغسول: النجوم لا ترى من بطن السوق، تعال نصنع قمرًا من الذهب...
قال سليمان: والعدل؟
فأجابه قتيبة وعيناه مرآتان لنهم قديم: ينام العدل عندما يستيقظ الدهاء؛ فلا حاجة للعدل أن يساوي بيننا ومن هم دوننا… أنا تاجرٌ ووالدي تاجر وجدي تاجر، ولا أخشى العدل إلا إذا ساوى بيني وبين من هم دوني.
كانت هبة تقف في باب البيت الجديد، تُصغي إلى خطوات عبدالسلام أكثر مما تراه...
قالت بصوت خافتٍ يشبه انكسار إناء: أضحيتَ لهم وطنًا، وتركتني غريبة في بيتك.
فقال عبدالسلام : إنْ لم تتسع قلوبنا للناس، ضاقت بنا الحياة.
همست، فقالت : أخشى أن تُحبَّهم أكثر مني.
ابتسم بشجن: حبّي لهم امتحانٌ لحبي لكِ… فالخير عندما يسود يكون كما الأمطار التي تزيل الغبار.... ثم حكّى كأنما يكتب وصيةً للروح: اسمعي يا زوجتي العزيزة :يحكى أن رجلاً كان وحده في ذلك الركن البارد من العالم… كان الصوت يأتي من عمقٍ مجهول… اذكرِ الله… استغفريه… وصلّي على محمد وآل محمد… الروح تنتفض، تريد أن تُبعث من جديد… لم يكن يعلم: أهو العقل؟
أم الذنب وقد صار له لسان؟
لكنه يعلم أن النجاة نداءٌ يأتي من داخل الجرح لا من خارجه.
خرجت هبة وهي تشكّ في حبِّ عبدالسلام، لا لأن حبه قليل، بل لأنّ قلبها ضاق عن وسعِه.
في اليوم التالي، وقف عبدالسلام يمسح عرقه ويتلفّت حوله: يا رب… علّمتهم أن يقولوا لا للطغيان، فإذا بهم يقولونها لي... أأنا الدواء المرّ أم الداء؟ .... ربِّ اشْرَح لي صدري… ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي ...
ثم التفت إلى الناس يشرح لهم: أيا الناس … نعم، يا لهذا الاسم الذي يختزل المجرة… متساوون عند المبدأ كأوراقٍ بيضاء، لكن المقامات تُكتَب في الخلق: من أنفق ابتغاء رضوان الله ارتقى فوق من أنفق ليُقال كريم... الفرق بين النور واللهب: كلاهما يضيء، لكن أحدهما يحرق، والآخر يهدي إلى السلام....
ومن حوله انقسمت الجوقة إلى ثلاث طبقاتٍ مرئيةٍ في الوجوه لا في الثياب:
الأولى رددوا : فقراءُ ينتظرون بأحلامهم منقذ ...
والثانية : الأغنياءُ ينتفعون من كل شيء ولا قلب لهم،
الثالثة : حياديّون يصفّقون للغالب...
صفيرُ ريحٍ عاصفٌ بلوح القوانين كان أول شرخٍ مسموع.
تشقّق المرآة
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)﴾ [المطفّفين: 1–2]
عاد المكان نفسه لكن بعد أن نبتت فيه فواصلُ طبقيّة كأنها حواجز من زجاجٍ مشروخ: منصة مرتفعة للأثرياء، صفوف انتظار للفقراء، وحرسٌ للسوق يقفون في الظلال... الإضاءة متكسّرة، والظلال حادّة.
رفع قتيبة قِدرًا من الحبوب ولوّح به كالراية: من يدفع أكثر يأخذ أكثر… هذا قانون العدل ولا شيء مجاني... فحتى المشاعر تُقاس بالذهب والفضة....
كانت الأصوات من الخلفية توافقه وتُسكت كل من له رأيٌ غير...
صفعت سمية الهواء بيدٍ لا تخاف وقالت : لا طبيعةَ للظلم إلا إذا سمّيناه طبيعة.
قال قتيبة ببرودٍ جارح: بان الخبال في كلماتك التي تكتسي بكلمات الفقراء التي لا تُسمن، بل يضيمها الجوع… وأين فأي أنتِ من صفوة القوم!!!
ردّت: صفوة القوم هم من آوتهم رحمة الله... المال يذهب... لا تغترّ بكثرة المال؛ فهناك من هم أكثر منك قوة وأكثر جمعًا للمال.
فتقدّم رجلٌ من الحشد، ولطمها: اسكتي…
ارتجفت الأرض تحت الحشد، فرفع قتيبة صوته يأمر المنشدين بالانشاد.
تغشّى المكان إنشادٌ ذو شجنٍ كثيف، حتى اختفت سمية بين ركام الأجساد، ولم يعد يعلو صوتٌ على صوت المنشد.
اقترب رشيد من عبدالسلام، وقال: قلب الناس يتصدع، والذهب أصبح ملحًا على الجرح.
قال عبدالسلام، بصوتٍ يستخرج معنى من عتمة: سنصلح… اسمع: كان أول ما خُلق في آدم ليس اللحم ولا الطين، بل الذهول… الذهول من نورٍ لا يُدرَك بالعقل، لكنه يسكن القلب قبل أن ينبض... عرف الله قبل أن يعرف نفسه؛ فمن عرف الله أولًا، لا يعود كما كان… لا تكن من الجاهلين… إن الله أقرب إليك من نفسك... فتوكّل على الله… لا ككسل الضعفاء، بل كتوكّل من يقف على هاوية ولا يمسكه إلا يدٌ أزلية لا تُرى.
تمتم رشيد: لا تُصلح السكينُ جرحًا أحدثته هي.
فأخفض عبدالسلام رأسه وقال: أخاف أن أكون أنا… السكين.
وفي ركنٍ آخر، كان سليمان يكتب سقوطه على جدار صدره: الغيرةُ سُلّمٌ إلى هاويةٍ بلا قاع... رأسي يدور… هل إن أسقطتُ عبدالسلام بذكر مثالبه ارتفعتُ؟ أم سأسقطتُ معه؟
صمت، وأتمّ الاعتراف: الهاوية تشبهني… فلأعانقها، ولن أذكر من الآن إلا مثالب عبدالسلام.
كان سليمات يتأمل الوجوه حول مواجهةٍ مكشوفةبين عبدالسلام وقتيبة
قال عبدالسلام لقتيبة: يا قتيبة، ليس الثراء خطيئة، الخطيئة أن يتيتم الفقير من العدالة.
أجاب قتيبة: والعدالةُ سلعةٌ بلا مشترٍ.
تقدّمت سمية من بين الركام، شفتها دامية وعيناها تبرقان: إذن سنوزعها مجانًا… حتى يختنق بها طمعك.
ضحك قتيبة: افعليها إن كنتِ تستطيعين… ألم تروا كيف كرهكم الناس ووقفوا إلى جانبي… كان ذلك اليوم السعيد للمنشدين، حيث سقطت سمية وما تحمل من صورٍ لعبدالسلام.
قال قتيبة في خطابٍ تزيّنه ألسنة النار الباردة: العدل ليس عبدالسلام، فالعدل كلمة لها هوية… كلمة لها أوجه متعددة… منها ما تنشدونه ومنها ما ينشده الناس… فالعدل هو أن يكون لكل إنسان مصلحته لا مصلحة الفقر.
قال عبدالسلام، وقد تغيّر الهواء وانحسر: ما الفرق بين المدينة التي كنا فيها وبين هذه الجزيرة… كأننا نختنق من تغيّر مفهوم العدالة الإلهية التي وصفها الله وقال: العدل أساس الملك… لم يجعل التاجر حاكمًا؛ فالحكم أساسه العدل يا قتيبة…
ثم قصّ حكاية: يحكى أن رجلاً كان يلجأ للجلوس بين المساكين كلما ضاقت به الدنيا… هناك فقط يستعيد شيئًا من إنسانيته…
قاطعه قتيبة باتهامٍ مذعور من داخله: أضحك على قومك… ومن قبلهم على نفسك… وقتي معكما انتهى، ولا حاجة لي بالحديث.
لكن عبدالسلام لم يصمت، وقال كمن يطفئُ ضوءًا زائفًا ويشعل آخر: لقد قضيتَ عمرك تركض… تظن أن للحياة كرامةً تُنتزع، فإذا بلغتَ غايتك تبخّرت كدخان سيجارة في غرفةٍ مغلقة… أي حياةٍ هذه التي لا يُضيئها حب الله .... ما جدوى الصراع إن لم تكن السجدة سرّك الأكبر، والقرآن خبزك اليومي، والخُلق الحسن مِرقاتك إلى السماء ... لقد طُمست سيرةُ نبيّه بين مصالح السلاطين، وسيرةُ آل بيته عليهم السلام شُرّدت لأنهم صدقوا الشيطان فصدقهم… نحن لا نحيا إلا حين نبحث عن الحق وعن الله ، وما عداه وَهْم يزاحمنا في القبور قبل القصور.
في تلك الليلة
ومضت نارٌ قصيرة في عمق الجزيرة، تشقّق بها الشجار ولاح الدمار ، ووقْعُ أقدامٍ تهرول، وهمهمةُ ذُعرٍ توقظ الصخور.
رماد الأبواب المغلقة
﴿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ(29﴾ [الحاقة: 28–29]
الليل حالكٌ كحبرٍ أُريق عمدًا...بيتُ قتيبة في الخلفية هيكلٌ من خشبٍ جاف، بقعُ ضوءٍ باردة، ونارٌ تشتعل تدريجيًا؛ إضاءةٌ حمراء متقطعة، دخانٌ يصعد كأفعى تبحث عن جلدٍ جديد.
ارتفع الصراخ بعيدًا، وطرقاتٌ على الأبواب، وأصواتٌ تتكالب كأنّ كلّ ذنبٍ جاء ليأخذ حصته... وقف قتيبة وسط وهج بيته يتفحّم ببطء: كم صفرًا جمعتُ!! ... لا رقمَ يُطفئ خوفي… المالُ ابني الوحيد، يحترقُ الآن معي… يا للمهزلة .... اشتريتُ العالم وبِعتُ نفسي!
وفي مكان آخر، كان سليمان يحكّ جلده ويتهاوى: كنتُ مع قتيبة ضد عبدالسلام وسمية… الحسدُ جَرَبُ الروح… لا يرحم… يا رب، لو يعود الزمنُ خطوةً واحدة…
ثم اختنق الصوت وسقط.
جلس عبدالسلام إلى جانب رشيد المثخن، فقال رشيد: إن متَّ، فماذا يبقى من عدلك
ردّ عبدالسلام: الفكرة… لا تموت، تتوارى كي تُبعث... كثيرًا ما نثرنا الكلمات كما ينثر المجنون رماده في الريح، ولم نعبأ بما حرقناه من وجوه أو أفئدة… ولكن… هل تذكّرتَ ذاك الصمتَ الثقيل حين كان يجب أن تقول... الصمت أحيانًا يدفن الأرواح حيّة.
سأل رشيد: وهل تعود؟
فابتسم عبدالسلام بعينين دامعتين: الخيرُ لا يختفي، بل يتخفّى.
ثم أسلم رشيد الروح على كتف عبدالسلام، فنبض الطبل نبضةً واحدة توقّف عندها الهواء.
فجأةً، أُطفئت بقعة الضوء التي كان عبدالسلام يقف فيها...
لم يبقَ غير فراغٍ يسمع صدى قدميه... همست الجوقة: اختفى… أم عاد إلى أصل النور؟
أسطورة الظلّ الذي يتنفّس
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا فِي ٱلْأَرْضِ… وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]
في الصباح التالي، كانت الساحة خالية من القائد... فجرٌ شاحبٌ يمتدّ كجرحٍ طويل، ظلالٌ طويلةٌ تُمسّد الأرض، ألواحُ قوانين قديمة عليها شقوق، وممرّ من الشموع الصغيرة كأنه طريقٌ إلى قبرٍ بلا اسم.
قال صوتٌ منفرد من الجوقة، كأنه قلبٌ واحد يتكلم: لم يمت عبدالسلام… نام في ترابنا كي نصحو… كلما لمعَت حكمةٌ في قلبٍ فقير قلنا: هو هو صوته… كلما اعتدل ميزانٌ مكسور قلنا: هو هو أثره.
اقتربت هبة من سمية وكانتا تحملان من الليل أكثر مما يحتمل نهار.
قالت هبة: غرتُ منه… حتى كدتُ أغار من الحقّ نفسه.
أجابت سمية: الغيرةُ نارٌ تُشعل البيت قبل أن تحرق الغريب… اغفري لنفسك أولًا.
سألت هبة: ومن يغفر للمدينة؟
قالت سمية: المدينةُ تغفر حين نكفّ عن خيانة أنفسنا.
وارتدّ في الهواء أثر آيةٍ : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
ثمّ ارتفعت أصواتُ الجوقة كميثاقٍ جديد: لن نبيع الخبزَ بكرامتنا.
وردّد الحياديون: لن نصفّق للغالب بعد اليوم.
وجاءت أصوات قليلة نادمة من طبقة الأغنياء: المالُ خادمٌ لا سيّد
وفي الأفق، جاء صوتٌ بعيد لعبدالسلام، مسجّلٌ وعميق، كأنه يتردّد من قاع البحر: إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم…
فردّ الجميع همسًا كقسمٍ يُتلى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
لكن ....
الميزان المعلّق: بقي ميزانٌ مكسور يتدلّى في ساحة الجزيرة... كلما هبّت ريحٌ مالت كفّتاها جهة الذهب، ثم الخبز، ثم القلوب… ولا تستقر.
ظلّ يعبر الجسر: ليلاً، يرى بعضهم ظلًا يعبر جسر الخشب نحو البحر... يقولون: هو عبدالسلام. آخرون يقولون: ضميره. البحر صامت.
وعد النار: اطلال بيت قتيبة ظلّت دافئة... طفلٌ مدّ يده إلى الرماد، فسلعته جمرةٌ خفيّة… سحبها ضاحكًا، كأنه فهم درسًا لا نعرفه.
مرآة سليمان: صارت المرآة تعرض للمارّين شقوقًا لا يعرفونها في أنفسهم؛ من يبتسم تُنبت في فمه شوكة، ومن يبكي يزهر في راحته كفّ.
حجر سمية: على مدخل السوق حجرٌ صغير؛ من يتعثّر به يسمع همسًا: لا تُسمّوا الظلم طبيعة بعضهم يبتسم، وبعضهم يكسره… فينبت مكانه حجران.
وفي ختامٍ لا يختم، ظلّ الصدى يقرأ على جدار القلب:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(209)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(416)
المقالات
(367)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.2k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(186)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(234)
الرياضة
(99)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(107)
نصوص مسرحية
(1)
Recent Posts
حفلة على الخازوق
2026-06-15عمليات التجميل ضرورة او ترف
2026-06-14
Archives
Jun 2026
(14)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
More From أ.د علي احمد باقر
السماء المتوهجة
2026-04-01صرخات في زمن الفراعنة الجدد
2026-02-01في أعماق الذات
2026-01-16

