86. وداعا لا يقال من التراث الفارسي
Written By
أ.د علي احمد باقر
حين تنبت الحياة في رماد الخوف
﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28)
في حيٍّ خانقٍ من أحياء المدينة الميتة، وُلد علي وحسين كطفلين بلا دهشة، بلا بكاءٍ كثير.
لم يكن أحد يعرف من سبق الآخر إلى الحياة، كانا توأمين في الوجع، حتى لو لم يجمعهما رحم واحد.
علي ، بعينيه اللتين لم تعرفا النوم، كان يسير دائمًا وكأنه يعرف طريقًا لا يراه أحد.
أما حسين، فكان كمن ينتظر دومًا شيئًا لا يأتي.
نبتت صداقتهما كنبتة صغيرة في شقّ إسمنتي.
تقاسما الخبز اليابس كما يتقاسم المؤمنون الدعاء، وحلما بعيادةٍ للفقراء تعيد الكرامة لمن سُلبت منهم.
ذات يوم قال حسين: "أتظننا سننجو حتى نحمل سماعة الطبيب؟
" فرد علي : "ربما لا ننجو... لكننا سنحاول.
الإنسان ضعيف، نعم، كما يقول القرآن، لكن الله لا يحب اليائسين."
ثم جاءت الحرب.
الوطن حين يشبه الحُمى
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: 21)
اندلعت الحرب كما تندلع النار في هشيم اليقين.
الحيُّ الذي نشآ فيه تحوّل إلى خرائب.
امتلأت المدينة بجنود يحولون العمار الى دمار، لماذا.
علي أصر أن يلتحق بالجيش للدفاع عن وطنه، وكان حسين خلفه يسير.
في قلب الجبهة، حمل كل منهما بندقيته كمن يحمل تابوته.
علي يبتسم، وحسين يسأل في صمته: "هل كل من يبتسم مقتنع؟ أم فقط يائس إلى درجة السخرية؟"
القذيفة التي تمزّق الزمن
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق: 19)
سقطت القذيفة.
علي تحول إلى أشلاء.
حسين لم يمت، لكنه لم يعش.
غرق في غيبوبة عميقة، جسده يتنفس، لكن عينيه مغلقتان كأنهما بوابتان إلى بُعدٍ آخر.
في داخله، كانت بداية الرؤية.
الرؤية… المدينة كما لم تُرَ من قبل
﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 22)
رأى المدينة كما لم يرها من قبل.
علي ورفاقه الأموات يقفون إلى جانبه، يدعونه لنزهة بين أطلال المدينة.
وجوههم مطمئنة، الزمن ساكن، ولا أحد يتكلم.
حسين يضحك، يركض، ثم يتوقف فجأة.
يبدأ كل شيء في التلاشي.
الحمّام الشعبي... لحظة الطهارة قبل الوداع
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30)
يذهبون إلى الحمّام الشعبي، يغتسلون بصمت، كأنهم يتهيّأون لشيءٍ لا يُقال.
واحدًا تلو الآخر يختفون.
يبقى علي . حسين يتشبث به.
"لا تتركني! خذني معك! لا تقل وداعًا..."
"أهلك في انتظارك يا حسين. عُد إليهم."
فيصرخ حسين: "أهلي هم إخوتي في السلاح، ووطني هو جسدي وروحي.
ما قيمة الحياة إن لم تكن برفقتكم؟"
وداعٌ لا يُقال
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (الفجر: 27-28)
في اللحظة الأخيرة، صعقات كهربائية تُوقظ القلب.
ارتجاف.
صمت.
ثم... لا شيء.
الأطباء يحاولون، لكنه لا يعود.
حسين يبتسم، روحه تغادر، لكن وجهه لا يحمل سوى السلام.
بين الحياة والموت… الأرض بلا ظل
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ…﴾ (الإسراء: 82)
في غرفة العناية المركزة، يقف الأطباء بلا حول.
جسد حسين راقد كجسد نبيٍّ نائم.
لا يعلم أحد إن كان ميتًا... أم فقط عبر إلى حياةٍ أخرى، في مكانٍ لا يُرى، لكن يُحسّ النهاية؟
أم بداية أخرى بلا وداع... بلا تفسير.
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(211)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(417)
المقالات
(368)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(187)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(235)
الرياضة
(102)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(110)
نصوص مسرحية
(1)
Recent Posts
أبيات للإمام الشافعي
2026-06-17
Archives
Jun 2026
(30)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
More From أ.د علي احمد باقر
السماء المتوهجة
2026-04-01صرخات في زمن الفراعنة الجدد
2026-02-01في أعماق الذات
2026-01-16

