الكلب العجوز من التراث الألماني
Written By
أ.د علي احمد باقر
لم يكن كلبًا عاديًا
بل كان زمنًا يمشي على أربع ، عيناه مثقلتان بما لا يُقال ، وما لا يُنسى
كان قديمًا ، أقدم من جدران المزرعة ذاتها ، حتى أن الأرض ذاتها كانت تستكين حين يمرّ فوقها ، وكأنها تعرفه ، بل كأنها كانت تخجل من أن تُظهر له كم تغيّر كل شيء
عرف رائحة المطر قبل أن يهطل ، ووجوه الأطفال قبل أن يضحكوا، كان يشتمّ الحزن في ملابس الرجال العائدين من الحقول ، فينبطح أمامهم، لا تملّ أذناه سماع قصصهم ، ولا يرتاح قلبه إلا إذا استراحوا
لكنه كان عجوزًا الآن
كأن الزمن ، ذلك الساكن في عينيه ، قرر أن ينقلب عليه
لم يعودوا بحاجةٍ إليه
لم يعودوا يرونه أصلًا ، بل صار ظلًا منسيًّا، شيئًا يُتجنب في الزوايا ، يُركل بالخطأ، ولا يُعتذر له
ثم جاءت الليلة …
وكانت كلماتهم ، تلك التي تقال همسًا ، تنغرس فيه كالإبر:
"يأخذ مكانًا بلا فائدة … يجب أن نطرده … أو نقتله"
"يُقتل ؟!" سأل نفسه ، وتردد الصدى في صدره كريح باردة تهبّ من برزخٍ لا يُسمّى
هو؟ الذي سهرَ ليحرسهم ؟
الذي نبح حتى تجرّحت حنجرته ليمنع عنهم ذئبًا أو لصًّا ؟
شعر بشيء لم يعرفه في حياته قط : الخذلان
لا ، ليس الحزن
فالحزن يُحتمل ، أما الخذلان … فهو خيانةُ القلب لنفسه
وفي تلك الليلة ، خرج من المزرعة لأول مرة منذ سنوات ، يجرّ نفسه جرا، كمن يبحث عن قبر يليق بموته
وظهر الذئب
خرج من بين الأشجار كما يخرج الفكر الأسود في عقول اليائسين ، له عينان لا تحملان حقدًا ، بل فهمًا … فهمًا مرعبًا
قال الذئب بصوتٍ لا يُسمع منه سوى العقل :
" لماذا تحزن ، أيها الكلب ؟ "
فأجابه الكلب ، والليل كله يتحدث على لسانه :
" أمضيت حياتي أخدمهم … والآن ، يريدون قتلي"
ضحك الذئب … ضحكة صغيرة ، لا سخرية فيها ، بل شفقة
لكنها كانت الشفقة التي يقدمها الشيطان لمن قرر أن يسقط
قال :
"لديّ حلّ لك … "
الإغواء باسم النجاة
كانت السماء تراقب بصمت ، كأنها تنتظر من الكلب أن يختار
والذئب ، الذئب لم يكن مجرد ذئبا …
بل كان فكرة
كان تجسيدًا لذلك الصوت الخافت الذي يتسلل في عتمة الروح حين تنهار، ويقول لك: “ اكذب … مرة واحدة فقط ، وستنجو ”
قال الذئب :
"غدًا، سأهاجم الحظيرة … وعندما أقترب من الخراف ، انهض وازأر، نبح بقوة ، هاجمني أمامهم … سأهرب ، وسيتوهمون أنك أنقذتهم … سيصفقون ، وستُعيد مجدك الضائع "
لم يجب الكلب
لكن قلبه نبض بشيء يشبه الرجاء … رجاء مخيف ، رجاء المذنب الذي يطلب النجاة على حساب طهره القديم
فكر
هل يُعقل ؟
أن يكذب ؟ أن يخدع ؟
أن يصبح مثلهم … أولئك الذين خانوه ؟
"وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" (فاطر: 43)
رفع الكلب عينيه ، وقال بهدوءٍ يشبه البكاء الصامت :
"لن أخدعهم … وإن خانوني ، لن أخون نفسي "
ردّ الذئب ، بنبرة هادئة كمن يحكم على ميت:
"إذن ، عِش في ضعفك … ومت كما يموت الحمقى."
ورحل
لكن الظلام لم يرحل معه
النُباح الأخير
لم ينم الكلب في تلك الليلة ، كان يسمع صراخًا داخليًا لا يعرف مصدره . أهو صوت الماضي ؟ أم صدى كلماته القديمة حين وعدَ نفسه ألا يخذل ؟ أم أنه مجرد خوف ؟
وفي الصباح …
لم يأتِ الذئب إلى الحظيرة كما وعد
بل هجم على طفلٍ صغير، كان يركض خلف فراشة
صرخة الطفل اخترقت الهواء
وفي تلك اللحظة ، لم يعد هناك وقتٌ للتفكير
قفز الكلب ، بقوة لا تليق بجسده العجوز، عضّ الذئب ، نبح ، طار الشرر من عينيه ، كأن شبابه الميت عاد ليحترق فيه للمرة الأخيرة
هرب الذئب ، تائهًا في الغابة
أما الطفل ، فاحتضن الكلب وهو يبكي ، وجاء أهل المزرعة …
صاحوا ، بكوا، صفقوا :
" لقد أنقذه ! لقد أنقذ ابننا! "
ثمن المعروف
"هَلْ جَزَاءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ" ( الرحمن: 60)
لكنه كان يعلم …
الذئب لم ينتهِ
وفي تلك الليلة ، عاد …
ولكنه لم يطلب معروفًا ، بل طالب بدين
قال بصوتٍ خافت :
"لقد جعلتك بطلًا … والآن ، حان الوقت لتردّ الجميل "
" ماذا تريد ؟" سأل الكلب
" افتح باب الحظيرة الليلة … شاة واحدة فقط ، لن يلاحظ أحد … وسنبقى أصدقاء "
صمت الكلب ، لكن في قلبه كانت ضوضاء لا تُحتمل
أيُصبح الإحسان قيدًا ؟
أيتحوّل الوفاء إلى عبودية ؟
هل كان ينبغي أن يدع الطفل يموت … فقط ليبقى حرًا ؟
لم ينم
بل جلس في الظلام ، يحدّق في لا شيء ، كمن ينتظر محاكمته
المعركة الأخيرة
"وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ " ( الشعراء: 22 )
لم يفتح الباب
وعند الفجر، عاد الذئب … ليس وحده ، بل ومعه أعوانه
لم يطلب ، بل اقتحم
لكن الكلب لم يكن وحده أيضًا
لقد أيقظ الحيوانات ، أقنعها بأن ما تظنه ضعفًا قد يكون في جوهره القوة الحقيقية.
وكانت معركة
شرسة ، طويلة ، دامية
وفي نهايتها ، فرّ الذئب إلى التلّة ، التفت ، ونظر إلى الكلب اللاهث ، وقال :
" لماذا تحميهم ؟ أولئك الذين ، إن أرادوا أن يسبّوا أحدًا قالوا: كلب … وإن مدحوا أحدًا قالوا: ذئب "
هنا ، رفع الكلب رأسه ، والدم يسيل من فمه ، وقال بصوتٍ داخلي ، هادئ ، لا يسمعه إلا من يعرف الله :
"أنا لا أحميهم … أنا أحمي نفسي من أن أتحول إلى شيءٍ لا أستطيع أن أغفره."
"أنا أرى الله في عملي … ولا أهتم لما يُقال عني "
بلا قبر
"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ" (الزلزلة: 7)
مرت السنوات
ومات الكلب
دون ضجيج ، دون أن يطلب شيئًا ، ودون أن يُكتب على قبره اسم
لكنه لم يكن بحاجة إلى اسم …
لن يهتم بالحب بعد موته
لن تنفع الورود بعد موته
كانت كلمة شكر تكفي قبل وفاته لكن للأسف
المشاعر الحقيقة لا تظهر الا عند أبواب المستشفيات وابواب المقابر
فلن ينفع الوفاء بعد الغياب الأخير
فهو لم يعد مجرد كلب
بل أصبح فكرة
وكلما رأى الناس كلبًا وفيًّا ، تذكروه … لا كحيوان ، بل كمرآة … تعكس كم يمكن أن يكون الإنسان صغيرًا أمام كلبٍ اختار أن يظل شريفًا
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(209)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(416)
المقالات
(367)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.2k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(186)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(36)
الإقتصاد
(234)
الرياضة
(99)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(107)
نصوص مسرحية
(1)
Recent Posts
حفلة على الخازوق
2026-06-15عمليات التجميل ضرورة او ترف
2026-06-14
Archives
Jun 2026
(14)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
Dec 2025
(18)
More From أ.د علي احمد باقر
السماء المتوهجة
2026-04-01صرخات في زمن الفراعنة الجدد
2026-02-01في أعماق الذات
2026-01-16

