رمضان والأمم المتحدة وصديقي المبتعث! حوار الأثر الحضاري لشهر رمضان المبارك
Written By
يوسف عبدالله البركاتي
يتهيأ العالم لاستقبال نفحات شهر رمضان المعظم، في الليلة السابقة من ليالي الرياض الباردة والأخاذة في هذا الربيع البديع.. أرسل لي صاحبي المبتعث من أمريكا رسالة فيها رابط إلكتروني، قادني إلى تصريح بارز للأمين العام للأمم المتحدة (السيد أنطونيو غوتيريس)، يتحدث فيه عن حضارة الإسلام بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الكراهية للإسلام، وهي مبادرة جديدة، جعلت من يوم 15 مارس من كل عام يوما عالميا لمكافحة الكراهية للإسلام، وكان من جملة ما قاله أنطونيو غوتيريس: "نحن على بعد أيام فقط من بداية رمضان، ومنذ أكثر من ألف عام ورسالة السلام والتعاطف والتراحم التي جاء بها الإسلام تشكل إلهاما للناس حول العالم.." وتابع قائلا: "وكلمة إسلام ذاتها مشتقة من الجذر نفسه لكلمة سلام، وعندما كنت أشغل منصب مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رأيت سخاء الدول الإسلامية التي فتحت أبوابها للأشخاص الذين أجبروا على الفرار من ديارهم، في وقت أغلقت فيه دول أخرى كثيرة حدودها".
ما أن قرأت الخبر والعبارة إلا وصاحبي يتصل ليفاجئني بالقول: هذه السنة سيكون رمضان له طعم آخر في غربتنا.. الفرصة مواتية للعالم أن يرى ويبصر شيئا عن حضارة رمضان العابرة لجميع الأمم والتي لا تقتصر على المسلمين أو بلادهم فحسب !
كان هذا إيذانا لأن أخصص مقالتي هذا الشهر للحديث عن الأثر الحضاري لرمضان، والذي يجب أن نعلمَه ونُعْلنه للعالم من حولنا وحيثما كنا.
فالذاكرة التاريخيّة الرمضانية ثريّةٌ جدًا وتبقى شاهدةً على تمسك الأمّة الإسلاميّة برسالتها، مذكرةً إياها بحضارتها التي تتصل اتصالاً كاملاً بكل العبادات وكيفية تأثير كل عبادة على الأخرى.
ﻋﻨﺪﻣﺎ نستشعر ﻣﻌﻨﻰ الحضارة -في أبسط تعريفاتها- بأنها الإبداع الذي يختص بأمة ويؤثر في البشرية كافة، نجد أن الحضارة الإسلامية تفردت عن سائر الحضارات بعدة خصائص منها: الربانية، العالمية، والشمولية الإنسانية، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، ومتطورة، كما تتمتع بالإخاء، والتسامح، والنفع للجميع.
إن خصائص الإسلام الكبرى المتمثلة في (عالمية الرسالة، وختام الأديان، ومنهاج الحياة) تؤكد عظمة هذا الدين الحنيف وشموليته الكونية، كما أن شعائره التعبدية ومعاملاته الدنيوية تكشف سمو قيمه الإنسانية ورقي مبادئه الحضارية؛ كونها تنسجم مع الفطرة السوية، وتتفق مع العقل البشري في عمق العلاقة بين الإيمان والعلم، بين الروح والمادة، بين الشريعة والعمران؛ لذا فليست العبادات في الإسلام مجرد طقوس روحية أو ممارسات رياضية، كما هي الحال في بقية الديانات السماوية (المحرفة) أو الأرضية (الوضعية)، إنما لها أبعاد عظيمة الأثر (روحية وجسدية وعقلية وإنسانية)، تمتد من نفس الفرد إلى نسيج المجتمع، وصولاً لكل كيان الأمة الواحدة.. والعالم بأسره!
وإذا كان المعنى الحقيقي للحضارة الإسلامية هو ما قدمه الإسلام من قيم ومبادئ وقواعد تساعد على الرفع من شأن المجتمع البشري، والتقدم في الجوانب المادية، وربط كل ذلك بهدايات السماء... فإن شهر رمضان المبارك جاء ليمثل ثورةً في سبيل تفعيل جميع هذه المعاني قاطبةً!!
في مناقشته لفلسفة الصيام، يقول الفقيه والمفكر الإسلامي "محمد الغزالي": "الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم"، تلك الحضارة التي "تؤمن بالجسد، ولا تؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولا تكترث باليوم الآخر! ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات -ولو إلى حين- وتؤدِّب هذا البدن المدلَّل، وتلزمه مثلاً أعلى" ومن هنا تأتي خصوصية الصيام عمّا سواه من الشعائر، فلا شيء يوطّن المرء على ترك غريزته الحيوانية إلا ذلك الذي ينمّي لديه مسؤوليته الإنسانية.
لقد كانت عبادة الصوم أول عبادة خوطب بها بنو إسرائيل، عبر مبعوث الله طالوت، وانتقل بنو إسرائيل عبر هذه العبادة من مرحلة القهر إلى مرحلة التمكين، ومن الاستعباد إلى التحرر؛ ولهذا يعد شهر رمضان والصيام عُدة وزادًا للمسلمين على طريق انتقالهم من الاستضعاف إلى ارتفاع أرواحهم وتساميهم إلى آفاق العمل؛ للتمكين ومواجهة تحديات عمارة الأرض في سلام وتوازن. كما أن الأيام التي كانت تُصام في كثير من الديانات القديمة وعدة طوائف من الأمم أياماً موزعة مبعثرة في طول السنة، تتخللها فترات طويلة تُفقدها التأثير في الأخلاق والميول والعادات، ولا تجعل النفس تنصبغ بها، فكان من المصلحة والحكمة أن تتوالى هذه الأيام وتتكرر.
في طرح فريد، خرج الرئيس البوسني الراحل "علي عزت بيجوفيتش" بكتابه الأشهر "الإسلام بين الشرق والغرب"؛ ليستعرض في طياته الآثار الحضارية للإسلام كمحور اتزان بين الأضداد، فهو -كما يبدو في عنوان الكتاب- اتزان المناهج بين روحانية الشرق الخالصة ومادية الغرب الطاغية، وهو كذلك محطة الاستقرار النهائي بعد صراع المسيحية واليهودية وما نالهما من التحريف. وينفرد بيجوفيتش بتأمل نال الاستحسان حول ثنائية الأركان الخمسة التي يجمعها الإسلام في كيان لا ينفصل، موضحا أﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻮ ﻇﻞ ﻏﺎﺭﻗﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻑ لتضخمت ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭتحول ﻟﻮﻋﺎﺀ ﻳﺤﺘﻀﻦ ﺍﻟﺨﺒﺚ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﺗﻀﺨﻢ ﻓﻴﻪ ﻣﺴﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺣﺎﺟﺘﻪ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻟﻤﺎ ﺍﺳﺘﻄﺎﻉ ﻣﻮﺍﺻﻠﺔ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭي! ﻟﻜّﻦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺟﻤﻊ ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻔﺘﻪ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺒﻴﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻭﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻣﻦ ﺃﻗﻮﻯ ﺍﻟﻨﻤﺎﺫﺝ ﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺒﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ!
لهذا كان أهم معنى أؤكده لصاحبي المبتعث هو أن رمضان ليس كما يظن كثير من العوام، أنه شهر للصوم عن الطعام والشراب والجماع فقط، ومن قال ذلك فهو لا يعرف حقيقة هذا الشهر الفضيل، ولم يتذوق رياحينه وروحانيته، فما رمضان في الحقيقة إلا مصلح اجتماعي كبير.. حقيقة الصوم أنه يقوم على قضية مجاهدة النفس، وأعظم طريقة لمجاهدة النفس ومقاومة رغباتك وإغراءاتك هو الصوم؛ لِأن الطعام في أصله مباح، والصائم يمتنع ولا يراه إلا الله، وإتيان الأهل في الأصل مُباح، ولكن الصائم يمتنع ولا يراه إلا الله، فإذا امتنع عن المباحات زمناً؛ لِأنه لا يراه إلا الله فقد تحقق معنى: المجاهدة، والمراقبة، والانضباط، والصبر ، والإرادة.
إنها قيم تروض نفوسنا على (الالتزام) الحقيقي القائم على حب الخير، وفضيلة الاعتدال، وعدم الانسياق الأعمى وراء زخرف الدنيا، قيم تدلنا على (الصحة) الفعلية التي توازن بين حاجة الجسم من الطعام وغذاء الروح من العبادة، قيم تحقق فينا (الوحدة) المنشودة عندما تجتمع الأمة في بيوت الله تتلو كتابه وتناجي ذاته وتستلهم عزته وترجو نصره، قيم تدفعنا إلى (الإنتاجية) الإيجابية وفق عقليات واعية تؤمن بأهمية الوقت وتنظيمه بين ذكر وعبادة وعمل وصلة وعطاء، قيم تنمي فينا (الصبر) و(قوة التحمل)، فكل ظفر جاء من صبر؛ لذا كان رمضان شهر الانتصارات.. فكما أنه وسيلة الانتصار على شرور الشيطان، كان تاريخ الانتصار على ألوان الطغيان، فكانت غزوة بدر الخالدة، وفتح مكة العاطرة، وموقعة البويب الفاصلة، ومعركة عين جالوت الحاسمة.. وغيرها من الأمجاد الرمضانية التي اجتمعت فيها نفحات الإيمان بصدق وإخلاص الإنسان وذكرى الزمان وعبق المكان. تلك القيم العظيمة تجتمع في منظار الواقع اليومي لترسم بُعداً حضارياً يتجسد في لوحة جلية المعالم عن الحياة الحقيقية التي ينشدها الإنسان اليوم، تقول: الدنيا مزرعة الآخرة.
لهذا لا ريب أن يعود الأمين العام للأمم المتحدة لينطق بهذه الحقيقة بين يدي هذه المناسبة العظيمة المتجددة....هنا قال صاحبي المبتعث: لقد استوعبت الحقيقة …يجب أن نوضح للعالم من حولنا وحيث كنا ماهي مدرسة رمضان العظيمة؟؟
ﺗﻘﺒﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﻭﺻﺎﻟﺢ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ..
Tags
Related Articles
Categories
صحة
(216)
التراث
(17)
القانون
(9)
أدب وثقافة
(422)
المقالات
(374)
حكم ومواعظ
(7)
الاخبار
(1.3k)
السياحة
(12)
رئيس التحرير
(35)
التربية والتعليم العالي
(208)
دربيل
(6)
خذ عندك
(3)
ثانوية كيفان
(44)
الإقتصاد
(245)
الرياضة
(120)
إكليل الود
(3)
خارجيا
(135)
نصوص مسرحية
(17)
Recent Posts
البيوت المباركة
2026-07-05
Archives
Jul 2026
(47)
Jun 2026
(128)
May 2026
(11)
Apr 2026
(7)
Mar 2026
(62)
Feb 2026
(20)
Jan 2026
(11)
More From يوسف عبدالله البركاتي
طبيب نحو المستقبل
2024-11-17التعايش قيمة: هل نقدمها للعالم بنجاح...؟
2023-06-27

